350

الله ولي الذين آمنوا

[البقرة: 257]، والولاية هي النصر والمحبة والمعونة، فيريد سبحانه أن يبين لنا كيف أعان الله إبراهيم على من حاجه، إلا أن الذي حاج إبراهيم دخل في متاهات السفسطة بعد أن سمع قول إبراهيم: { ربي الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258]، وقد جاء الحق ب " يحيي ويميت " لأن تلك القضية هي التي لم يدع أحد أنه فعلها، ولم يدع أحد أنه شريك فيها، حتى الكافرون إذا سألتهم: من الذي خلق؟ يقولون الله. إذن فهذه قضية ثابتة. إلا أن الخصم الذي حاج إبراهيم أراد أن ينقل المحاجة نقلة سفسطائية. والسفسطة كما نعلم هي الكلام الذي يطيل الجدل بلا نهاية. وقال الرجل الذي يحاج إبراهيم عليه السلام: إذا كان ربك الذي يحيي ويميت فأنا أحيي وأميت. فسأله إبراهيم عليه السلام كيف تحيي أنت وتميت؟ قال الرجل: أنا أقدر أن أقتل ما عندي من مساجين وأقدر ألا أقتلهم، فالذي لم أقتله كأنني أحييته، والذي قتلته فقد أمته. ولم يقل سيدنا إبراهيم لنتفق أولا ما الحياة؟ وما الموت؟ ذلك أن إبراهيم خليل الرحمن لم يشأ أن يطيل هذه المجادلة، فجاء له بأمر يلجمه من البداية وينتهي الجدل، فقال له: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } [البقرة: 258]. وهكذا أنهى سيدنا إبراهيم هذا الجدل. كان من الممكن أن يدخل معه سيدنا إبراهيم في جدل، ويقول له: ما هي الحياة؟ ونحن نعرف أن الحياة هي إعطاء المادة ما يجعلها متحركة حساسة مريدة مختارة، أما الموت فهو إخراج الروح من الجسد، فالذي يقتل إنسانا إنما يخرج روحه من جسده، والقتل يختلف عن الموت لأن الموت خروج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، أو عمل يفعله الإنسان في بدنه كالانتحار.

وقد يكون الإنسان جالسا مكانه وينتهي عمره فيموت، ولا أحد قادر قبل ذلك أن يقول له: مت فيموت، هذا هو الموت، لكن إزهاق الروح بجرح جسيم أو نقض بنية فهذا هو القتل وليس الموت، ولذلك يجعل الله القتل مقابلا للموت، في قوله تعالى:

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين

[آل عمران: 144-145]. وقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى الفرق بين الموت والقتل، وجعل كلا منهما مقابلا للآخر، فعندما أشيع أن رسول الله قد قتل، هم بعض المسلمين بالارتداد إلى الكفر، فأنكر الله عليهم ذلك قائلا: إن محمدا رسول من عند الله قد مات من قبله المرسلون أفإن مات أو قتل رجعتم عن الإيمان للكفر، ومن يفعل ذلك فإنما يضر نفسه، والثواب عند الله للثابتين على منهج الله الشاكرين لنعمه، أوضح لنا الحق أن موت أي إنسان لا يمكن أن يحدث إلا بإذن الله، وقد كتب الله ذلك في كتاب مشتمل على الآجال. ويريد الله أن ينبهنا ويلفتنا إلى حقيقة هامة وهي أن الرسل في جدلهم مع أممهم أو مع المناقشين لهم لا يكون الهدف أن النبي يظفر بالغلبة وإنما يكون الهدف بالنسبة للرسول أو النبي أن يصل إلى الحقيقة، ولذلك لم يتوقف إبراهيم عليه السلام مع الرجل الذي يحاجه في الله عند نقطة الإحياء والإماتة لأنه رأى في مناقشة الرجل لونا من السفسطة. وعلينا ونحن نتدبر آيات القرآن بالخواطر الإيمانية أن نفهم الفرق بين الإماتة والقتل. الصحيح أن الإماتة والقتل يشتركان في أمر واحد وهو خروج الروح من الجسد. والإماتة تختلف عن القتل بأنه لا يقدر عليها إلا واهب الحياة الذي وضع مقومات خاصة في البنية الإنسانية حتى تسكنها الروح، وهو القادر على أن يسلب الروح بأمر غير محس. أما القتل فهو أن تجرح إنسانا فيموت، أو تنقض بنيته، تكسر له رأسه مثلا، أما " الإماتة " فهي أن تنقبض حياته بمجرد الأمر دون أن تقربه، هل أحد من البشر يقدر على هذه؟ لا. إذن فالذي حاج إبراهيم لم يحي الذي قال: إنه سيتركه بدون عقوبة، إنه لم يقتله، لكنه أبقى الحياة التي كانت فيه، هذا إذا أردنا أن ندخل في جدل. والله قد جعل القتل مقابلا للموت، صحيح أنهما ينتهيان بأن لا روح، لكن هناك فرق بين أن تؤخذ الروح بدون هذه الوسائل. وأن تترك الروح البدن لأن بنيته قد تهدمت.

وإياك أن تظن أن الروح لا تخضع لقوانين معينة، إن الروح لا تحل إلا في مادة خاصة، فإذا انتهت المقومات الخاصة في المادية فالروح لا تسكنها، فلا تقل: إنه عندما ضربه على رأسه أماته! لا، هو لم يخرج الروح لأن الروح بمجرد ما انتهت البنية تختفي. والمثال الذي يوضح ذلك: لنفترض أن أمامنا نورا، إذا كسرت الزجاجة يذهب النور. هل الزجاجة هي النور؟ لا، لكن الكهرباء لا تظهر إلا في هذه الزجاجة، كذلك الروح لا توجد إلا في بنية لها مواصفات خاصة، إذن فالقاتل لا يخرج الروح ولكنه يهدم البنية بأمر محس فالأمر الغيبي وهو الروح لا يسكن في بنية مهدومة. { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك } [البقرة: 258]، انظر إلى الطغيان، أتجعل إيتاء الملك وهو نعمة وسيلة إلى التمرد على من أنعم عليك بهذا؟ أتجعل شكر النعمة بأنك تخالف المنعم؟ من الذي أبطره؟ أأبطره أن آتاه الله الملك؟ وكيف يعين الله واحدا ليس مؤمنا به؟ والملك - بمعنى الأمر والنهي - إنما يكون للمبلغ عن الله، إنما الملك الآخر ملك السلطان بأن يحكم إنسانا على جماعة، فمن الجائز أن يكون مؤمنا، وأن يكون كافرا. وقوله { أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258] هو جواب على من قال: " من ربك " فجاءته إجابة إبراهيم عليه السلام { ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } [البقرة: 258] وعرفنا ما في هذا الأمر من سفسطة، فلم يقل له إبراهيم: أأنت تحيي وتميت، بل ينقله إلى أمر آخر، كأنه قد قال له: اترك الأمر الغيبي وهو الروح، وتعالى للأمر المشهود { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } [البقرة: 258]. ولأن الله ولي الذين آمنوا فهو سبحانه لم يلهم المحاج أن يرد كان يستطيع أن يقول له: اجعل من يأتي بها من المشرق يأت بها من المغرب، لكنه لم يقلها! مما يدل على أنه غبي! أو يكون ذكيا فيقول: إن الرب الذي معه بهذا الشكل قد يفعلها، فخاف. إذن ف

الله ولي الذين آمنوا

[البقرة: 257] حقا. وهو سبحانه

يخرجهم من الظلمات إلى النور

[البقرة: 257]. وما معنى كلمة " بهت "؟ إن البهت يأخذ ثلاث صور: الصورة الأولى: الدهشة نقله فيما يمكن أن تحدث فيه مماحكة إلى ما لا تحدث فيه مماحكة وجدال، أراد أن يجد أمرا يرد به فلم يقدر، مثلما قال: أنا أحيي وأميت، لقد دهش، وأول ما فاجأه هو الدهش، ثم كان التحير، أراد أن يجد أي مخرج من هذه الورطة فلم يجد، إذن فقد هزم. فهذه هي نهاية البهت.

Unknown page