Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
ف " بهت " تعني أنه دهش أولا، فتحير في أن يرد ثانيا، فكان نتيجة ذلك أنه هزم ثالثا، وهذا أمر ليس بعجيب لأنه ما دام كافرا فليس له ولي، أو وليه من لا يقدر
أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، أما إبراهيم خليل الرحمن فوليه الله. ويختم الحق الآية بقوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258] لا يهديهم إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلى حاجة، لأن وليهم الشيطان، { والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258] والآية التي تأتي من بعد ذلك كلها ستتدخل في الحياة والموت، ومن المهم أن الآية تدخل في الحياة والموت كي لا نفهم أن إبراهيم إنما ترك المحاجة مع ذلك الذي حاجه في أمر الموت والحياة هربا من الكلام فيها، لذلك يريد الله أن يستوفي تلك القضية استيفاء في قصص متعددة، ويبسط الحق القضية التي عدل عنها إبراهيم وهي الموت والحياة فيقول سبحانه: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها... }.
[2.259]
وعندما ننظر إلى بداية الآية نجدها تبدأ ب " أو " ، وما بعد " أو " يكون معطوفا على ما قبلها، فكأن الحق يريد أن يقول لنا: أو ألم تر إلى مثل الذي مر على قرية. وعندما تسمع كلمة " قرية " فإنها تفيد تجمع جماعة من الناس يسكنون في مكان محدود، ونفهم أن الذي مر على هذه القرية ليس من سكانها، إنما هو قد مر عليها سياحة في رحلة. ونلحظ كذلك أن الحق سبحانه لم يشأ أن يأتي لنا باسم القرية أو باسم الذي مر عليها. قال البعض: إنه هو أرمياء بن حلقيا أو هو الخضر، أو هو عزير، وقد قلنا من قبل: إنه إذا أبهم الحق فمعناه: لا تشخص الأمر، فيمكن لأي أحد أن يحدث معه هذا. { أو كالذي مر على قرية } [البقرة: 259]. وقالوا: إنها بيت المقدس، { وهي خاوية على عروشها } [البقرة: 259] وحتى نفهم معنى خاوية على عروشها، لنا أن نعرف أنني عندما أقول: " أنا خويان " أي " أنا بطني خاوية ": " جوعان " ف " خاوية " المقصود بها أنها قرية خالية من السكان، وقد تكون أبنيتها منصوبة، لكن ليس فيها سكان، والحق بقوله عن تلك القرية: إنها خاوية على عروشها، و " العرش " يطلق على البيت من الخيام، ويطلق كما نعرف على السقف، فإذا قال: { خاوية على عروشها } [البقرة: 259] أي أن العرش قد سقط أولا، ثم سقطت الجدران عليه، مثلما نقول في لغتنا العامية: " جاب عاليها على واطيها ". وعندما يمر إنسان على قرية مثل هذه القرية فلا بد أن مشهدها يكون شيئا لافتا للنظر، قال: { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } [البقرة: 259] فكأنه يسأل عن القرية، وعن إماتة وإحياء الناس الذين يسكنون القرية. والحق حين يذكر القرية في القرآن فهو يقصد في بعض الأحيان الحديث عن أهلها مثل قوله تعالى:
وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون
[يوسف: 82]. إن أبناء يعقوب عليه السلام حين عادوا من مصر وتركوا أخاهم الأصغر مع يوسف عليه السلام قالوا لأبيهم: أرسل من يأتيك بشهادة أهل مصر واسأل بنفسك زملاءنا الذين كانوا معنا في القافلة، وسيقولون لك: إننا قد تركنا أخانا بمصر. لكن سؤال الذي مر على القرية الخاوية على عروشها هو سؤال عن أهلها. { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } [البقرة: 259] وساعة تسمع " أنى " فهي تأتي مرة بمعنى " كيف " ، ومرة تأتي بمعنى: " من أين " ، والمناسب لها هنا هو أن يكون السؤال كالتالي: " كيف يحيي الله هذه بعد موتها "؟ وقوله هذا يدل على أنه مؤمن، فهو لا يشك في أن قضية الإحياء من الله، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، فكأنه مؤمن بأن الله هو الذي يحيي ويميت، وهذه ستأتي في قصة سيدنا إبراهيم:
أرني كيف تحيي الموتى..
[البقرة: 260]. هو لا يشك في أن الله يحيي الموتى، إنما يريد أن يرى كيف تتم هذه الحكاية لأن الذي يريد أن يعرف كيفية الشيء، لابد أن متعجب من وجود هذا الشيء، فيتساءل: كيف تم عمل هذا الشيء؟ مثلما نرى الأهرام، ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل، لكننا نتساءل فقط: كيف بنوها؟ كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية؟ إذن فنحن نتعجب فقط، والتعجب فرع الإيمان بالحدث. والسؤال عن الكيفية معناه التيقن من الحدث، فقول الحق: { أنى يحيي هذه الله } [البقرة: 259].. يعني: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها، فكأن القائل لا يشك في أن الله يحيي، ولكنه يريد الكيفية، والكيفية ليست مناط إيمان، فالله لم ينهنا عن التعرف على الكيفية فهو يعلم أننا نؤمن بأنه قادر على إيجاد هذا الحدث. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فمصمم الملابس عندما يقوم بتفصيل أزياء جميلة، أنت تراها، فأنت تتيقن من أنه صانعها، ولكنك تتعجب فقط من دقة الصنعة، وتقول له: بالله كيف عملت هذه؟ كأنك قد عشقت الصنعة! فتشوقت إلى معرفة كيف صارت، فما بالنا بصنعة الحق تبارك وتعالى؟ إنك تندهش وتتعجب لتعيش في ظل السر السائح من الخالق في المخلوق، وتريد أن تنعم بهذه النعم. ومثال آخر - ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد - أنت ترى مثلا لوحة رسمها رسام، فتقول له: بالله كيف مزجت هذه الألوان؟ أنت لا تشك في أنه قد مزج الألوان. بل تريد أن تسعد نفسك بأن تعرف كيف رسمها، إذن فقوله وقول إبراهيم بالسؤال في الإحياء والإماتة فيما يأتي ليس معناه أنه غير مؤمن بل هو عاشق ومشتاق لأن يعرف الكيفية ليعيش في جو الإبداع الجمالي الذي أنشأ هذه الصنعة. ونعلم أن إحياء الناس سيترتب عليه إحياء القرية، فالإنسان هو باعث الحركة التي تعمر الوجود، والناس لهم حياة ولهم موت، والقرية بأنقاضها وجدرانها وعروشها لها حياة ولها موت. وعندما سأل العبد هذا السؤال، أراد الله أن تكون الإجابة تجربة معاشة في ذات السائل لذلك يأتي القرآن بالقول { فأماته الله مائة عام } [البقرة: 259]. إن صاحب السؤال قد أراد أن يعرف الكيفية، وطلبه هو إيمان دليل، ليصبح فيما بعد إيمانا بواقع مشاهد { فأماته الله مائة عام } [البقرة: 259] لقد جعل الله الأمر والتجربة في السائل ذاته وهذا إخبار الله.
لقد أماته مائة عام، والعام هو الحول، وقد سموا " الحول " عاما لأن الشمس تعوم في الفلك كله في هذه المدة، والعوم سبح، والحق يقول:
Unknown page