349

[الفيل: 1]. والرسول ولد عام الفيل، فلم ير هذه الحادثة، وكأن الله يخبره بها ويقول له: ألم تعلم، وكأنه يقول له: اعلم علما يقينا كأنك تراه لأن ربك أوثق من عينيك، وعندما يقال: { ألم تر } [البقرة: 258] فالمراد بها " ألم تر كذا " ، لكن الحق قال: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه } [البقرة: 258] واستعمال حرف " إلى " هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث، ومثال ذلك ما نقوله أحيانا: ألم تر إلى زيد يفعل كذا.

فكأن ما فعله زيد أمر عجيب، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية الأمر، لأن " إلى " تفيد الوصول إلى غاية، فكأنها مسألة بلغت الغاية في العجب، فلا تأخذها كأنك رأيتها فقط، ولكن انظر إلى نهايتها فيما حدث. والحق يقول هنا: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه } [البقرة: 258] و " إلى " جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة، والحق سبحانه وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم في ربه، لأنه لا يعنينا التشخيص سواء كان النمروذ أو غيره. فإذا ذهب بعض المفسرين إلى القول: إنه ملك واسمه النمروذ. فإننا نقول لهم شكرا لاجتهادكم، ولكن لو شاء الله تحديد اسم الرجل لحدده لنا، والذي يهمنا هو أنه واحد خرج على رسول الله إبراهيم عليه السلام وجادله في هذه المسألة، والتشخيص هنا ليس ضروريا، والحق سبحانه وتعالى حينما يريد شيوع الأمر وإمكان حدوثه في أي زمان أو مكان فإن الله لا يشخص الأمر، فأي إنسان في أي مكان قد يحاجج أي مؤمن. وليس كذلك الأمر بالنسبة لأي تشخيص أو تحديد، ومثال ذلك هؤلاء الذين يريدون أن يعرفوا قصة أهل الكهف، ويتساءلون: أين ومتى، وكم عددهم، ومن هم؟ ونقول: لو جاءت واحدة من هؤلاء لفسدت القصة لأنه لو حددنا زمانها سيأتي واحد يقول لك: مثل ذلك الزمان الذي حدثت فيه القصة كان يسمح بها. ولو حددنا المكان سيقول آخر: إن المكان كان يسمح بهذه المسألة. ولو حددنا الأشخاص بأسمائهم فلان وفلان، فسيقول ثالث: إن مثل هذه الشخصيات يمكن أن يصدر منها مثل هذا السلوك وأنى لنا بقوة إيمان هؤلاء؟ والحق لم يحدد الزمان والمكان والأشخاص وجاء بها مبهمة ليدل على أن أي فتية في أي زمان وفي أي مكان يقولون ما يقولون، ولو شخصها في واحد لفسد المراد. لننظر إلى دقة الحق حين ضرب مثلا للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط حين قال جل وعلا:

ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين

[التحريم: 10]. ولم يحدد لنا اسم امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر الأمر المهم فقط وهو أن كلا منهما زوجة لرسول كريم، ولكن كلا منهما أصرت على الكفر فدخلتا النار. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين أراد التخصيص بحادث لن يتكرر في أي زمان أو مكان جاء بذكر السيدة مريم بالتشخيص والتحديد الواضح حين قال:

ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين

[التحريم: 12]. تحديد الحق لمريم بالاسم والحادث لماذا؟ لأن الواقعة غير قابلة للتكرار من أية امرأة أخرى. التشخيص هنا واجب لأنه لن تلد امرأة من غير زوج إلا هذه، إنما إذا كانت المسألة ستتكرر في أي زمان أو مكان فهو سبحانه يأتي بوصفها العام، ومثال ذلك قول الحق: { ألم تر إلى الذي حآج إبرهم } [البقرة: 258] فلم يقل لنا: من هو؟ و " حاج " أصلها " حاجج " ، مثل " قاتل " و " شارك ". وعندما يكون هناك حرفان مثلان، فنحن نسكن الأول وندغم الثاني فيه وذلك للتخفيف، فتصير حاج، و " حاج " من مادة " فاعل " التي تأتي للمشاركة، وحتى نفهم معنى " المشاركة ". إليكم هذا المثال: نحن نقول: قاتل زيد عمرا، أو نقول: قاتل عمرو زيدا، ومعنى ذلك أن كلا منهما قد تقاتل، وكلاهما فاعل ومفعول في الوقت نفسه، لكننا غلبنا جانب الفاعل في واحد، وجانب المفعول في الثاني. برغم أن كلا منهما فاعل ومفعول معا. ومثال آخر، حين نقول: شارك زيد عمرا، وشارك عمرو زيدا، إذن فالمفاعلة جاءت من الاثنين، هذا فاعل وهذا مفعول، لكننا عادة نغلب الفاعلية فيمن بدأ، والمفعولية في الثاني، وإن كان الثاني فاعلا أيضا. ولذلك يقول الشاعر عندما يريد أن يشرح حال إنسان يمشي في مكان فيه حيات كثيرة ومتحرزا من أن حية تلدغه فقال:

قد سالم الحيات منه القدم

الأفعوان والشجاع القشعما

إن الشاعر هنا يصف لنا إنسانا سار في مكان مليء بالحيات، وعادة ما يخاف الإنسان أن تلدغه حية، لكن هذا الإنسان الموصوف في هذا البيت نجد أن الحيات قد سالمت قدمه، أي لم تلدغه لأنه لم يهجها، والثعابين عادة لا تلدغ إلا من يبدأها بالإهاجة، نجد هنا أن الفاعل هو الحيات لأنها سالمت قدمه. ويصح أيضا أن نقول: إن القدم هي التي سالمت الحيات. ونحن نعرف من قواعد اللغة ما درسناه قديما ما يسمى بالبدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، فإن كان المبدل منه مرفوعا جاء البدل مرفوعا، وإن كان المبدل منه منصوبا جاء البدل منصوبا، وإن كان المبدل منه مجرورا كان البدل كذلك. هنا جاءت " الحيات " في هذا البيت من الشعر مرفوعة ولكن الأفعوان جاءت في البيت منصوبة مع أنها بدل من مرفوع هو " الحيات " لأنه لاحظ ما فيها أيضا من المفعولية فأتى بها منصوبة. كما أن بالإمكان أن تقرأ " الحيات " بالنصب و " القدم " بالرفع لأن كلا منهما فاعل ومفعول من حيث المسالمة. وكذلك في قول الحق سبحانه: { ألم تر إلى الذي حآج إبرهم } [البقرة: 258] نحن نلاحظ أن كلمة " إبراهيم " تأتي في الآية الكريمة منصوبة بالفتحة، أي يغلب عليها المفعولية.

فمن إذن الذي حاج إبراهيم؟ إنه شخص ما، وهو الفاعل لأنه الذي بدأ بالمحاجة، وهكذا تدلنا الآية الكريمة ، وتصف الآية ذلك الرجل { أن آتاه الله الملك } [البقرة: 258] أي أن الرجل قد وهبه الله الملك وقد حاج هذا الرجل إبراهيم في ربه، فكأن هذا الرجل هو الذي بدأ الحجاج قائلا لإبراهيم: من ربك؟ فقال إبراهيم عليه السلام: { ربي الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258] وهذه هي براعة القرآن في أن يترك الشيء ثقة بأن السامع يرد كل شيء إلى أصله، فقوله الحق: { إذ قال إبرهم ربي الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258] فكأن الذي حاج إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال إبراهيم: { ربي الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258]. ولنا أن نلحظ أن هذه الآية قد جاءت بعد قوله الحق في الآية السابقة:

Unknown page