Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون
[يوسف: 36-37]. فهل كان سيدنا يوسف في ملة القوم الكافرين ثم تركها؟ لا، إنه لم يدخل أساسا إلى ملة القوم الذين لا يؤمنون بالله. إن هذه الملة كانت أمامه، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بملة إبراهيم عليه السلام. وفي التعبير ما فيه من تأكيد حرية الاختيار. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق:
والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير
[النحل: 70]. إن معنى الآية أن الله قد خلقنا جميعا، وقدر لكل منا أجلا، فمنا من يموت صغيرا، ومنا من يبلغ أرذل العمر، فيعود إلى الضعف وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه. وليس معنى الآية أن الإنسان يوجد في أرذل العمر ثم يرد إلى الطفولة.
وعندما يقول الحق: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257] فالحق أورد هنا كلمة أولياء عن الطاغوت، لأن الطاغوت كما قلنا: ألوان متعددة، الشيطان طاغوت، والدجال طاغوت، والساحر طاغوت. وجاء الحق بالخبر مفردا وهو الطاغوت لمبتدأ جمع وهو أولياء، ووصف هؤلاء الأولياء للطاغوت بأنهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات. لقد أفرد الله الطاغوت وأورد بالجمع الأفراد الذين ينقلهم الطاغوت إلى الظلمات. ولماذا لم يقل الله هنا: " طواغيت " بدلا من طاغوت؟ إن الطاغوت كلمة تتم معاملتها هنا كما نقول: " فلان عدل " أو " الرجلان عدل " أو " الرجال عدل ". وعلى هذا القياس جاءت كلمة طاغوت، فالشيطان والدجال والكاهن والساحر والحاكم بغير أمر الله كلهم طاغوت، لقد التزمت الآية بالإفراد والتذكير. فالطاغوت تطلق على الواحد أو الاثنين أو الجماعة، أي أن المخرجين من النور إلى الظلمات هم أولياء الطاغوت، أو من اتخذوا الطواغيت أولياء، وهم إلى النار خالدون. والدخول للنار يكون للطواغيت ويكون لأتباع الطواغيت، كما يقول الحق في كتابه:
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون
[الأنبياء: 98]. إن أتباع الطواغيت، والطواغيت في نار جهنم. وقانا الله وإياكم عذابها. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة واقعية في الكون من قوله: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]، فهو الولي، وهو الناصر فيقول سبحانه: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك... }.
[2.258]
وساعة تسمع { ألم تر } [البقرة: 258] فأنت تعلم أنها مكونة من همزة هي " أ " وحرف نفي وهو " لم " ، ومنفي هو " تر " والهمزة: تأتي هنا للإنكار، والإنكار نفي بتقريع، ولكنها لم تدخل على فعل مثبت حتى يقال: إنها أنكرت الفعل بعدها، مثلما تقول للولد: أتضرب أباك! هنا الهمزة جاءت لا لتستفهم وإنما أتت تنكر هذه الفعلة، لأن الفعل بعدها مثبت وهو " تضرب " ، وجاءت الهمزة قبله فتسمى " همزة إنكار " للتقريع. إذن فالإنكار: نفي بتقريع إذا دخلت على فعل منفي. وما دام الإنكار نفيا والفعل بعدها منفي فكأنك نفيت النفي، إذن فقد أثبته، كأنه سبحانه عندما يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: { ألم تر } [البقرة: 258] فالمقصود " أنت رأيت ". ولماذا لم يقل له: أرأيت؟ لقد جاء بها بأسلوب النفي كي تكون أوقع، فقد يكون مجيء الإثبات تلقينا للمسئول، فعندما يقول لك صديق: أنت لم تسأل عني وأنت تهملني. فأنت قد ترد عليه قائلا: ألم أساعدك وأنت ضعيف؟ ألم آخذ بيدك وأنت مريض؟ لقد سبق أن قدمت خدماتك لهذا الصديق، ولكنك تريد أن تنكر النفي الذي يقوله هو، وهكذا نعلم أن نفي النفي إثبات، ولذلك فنحن نأخذ من قوله تعالى من هذه العبارة { ألم تر } [البقرة: 258] على معنى: أنت رأيت، والرؤية تكون بالعين. فهل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المخاطب الأول بالقرآن الكريم من ربه - هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة أيام إبراهيم؟ طبعا لا، فكأن { ألم تر } [البقرة: 258] هنا تأتي بمعنى: ألم تعلم. ولماذا جاء ب { ألم تر } [البقرة: 258] هنا؟ لقد جاء بها لنعلم أن الله حين يقول: " ألم تعلم " فكأنك ترى ما يخبرك به، وعليك أن تأخذه على أنه مصدق كأنك رأيته بعينك. فالعين هي حاسة من حواسك، والحاسة قد تخدع، ولكن ربك لا يخدع، إذن ف { ألم تر } [البقرة: 258] تعني: " ألم تعلم علم اليقين " ، وكأنك قد رأيت ما يخبرك به الله، ولذلك يقول تعالى للرسول:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
Unknown page