347

[الزخرف: 54]. ويزيد في الأمر حتى يصير طاغية، ولا يوجد أحد استهل عمله بالطغيان العالي، إنما يبدأ الأمر خطوة خطوة، كأي نظام ديكتاتوري قهري، إنه يبدأ ب جس نبض فإن صبر الناس، ازداد هذا النظام في القسوة حتى يصير طاغوتا، إذن فالطاغوت هو الذي تستزيده الطاعة طغيانا، وتطلق على الشيطان لأنه هو الأساس، وعلى الذين يتكلمون باسم الدين للسلطة الزمنية سواء كانوا كهانا أو غيرهم، وتطلق على الذين يسحرون ويدجلون، لأنهم طغوا بما علموه إنهم يستعملون أشياء يتعبون بها الناس، وقد جاءت الكلمة هنا بصيغة المبالغة لاشتمالها على كل هذه المعاني، وإذا استعرضنا الكلمة في القرآن نجد أن " الطاغوت " ترد مذكرة في بعض الأحيان، وقد وردت مؤنثة في آية واحدة في القرآن:

والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد

[الزمر: 17]. لقد أوضحت هذه الآية أنهم تركوا كل أنواع الطغيان وأصنافه، أي إن الذين اجتنبوا الألوان المتعددة من الطغيان هم الذين يتجهون بالعبادة الخالصة لله، ولهم البشرى. { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256] وكلمة " استمسك " غير كلمة " مسك ". لأن " استمسك " تدل على أن فيه مجاهدة في المسك، والذي يتدين يحتاج إلى مجاهدة في التدين لأن الشيطان لن يتركه، فلا يكفي أن تمسك، بل عليك أن تستمسك، كلما وسوس الشيطان لك بأمر فعليك أن تستمسك بالتدين، هذا يدل على أن هناك مجاهدة وأخذا وردا. { فقد استمسك بالعروة } [البقرة: 256] والعروة هي العلاقة، مثلما نقول: " عروة الدلو " ، التي تمسكها منه، وهذه عادة ما تكون مصنوعة من الحبل الملفوف المتين، و " الوثقى " هي تأنيث الأوثق أي أمر موثوق به، وقوله: { فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256]، قد يكون تشبيها بعروة الدلو لأن الإنسان يستخدم الدلو ليأتي بالماء، وبالماء حياة البدن، وبالدين حياة القيم. { فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256] كأنه ساعة جاء بكلمة " عروة " يأتي بالدلو في بال الإنسان، والدلو تأتي بالماء، والماء به حياة البدن، إذن فهذه تعطينا إيحاءات التصور واضحة، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256]، وما دامت " عروة وثقى " التي هي الدين والإيمان بالله، وما دامت هي الدين وحبل الله فهذه وثقى، وما دامت " وثقى " فلا انفصام لها، وعلينا أن نعرف أن فيه انفصاما. وفيه انفصام الأول بالفاء والثاني بالقاف. الانفصام: يمنع الاتصال الداخلي مثلما تنكسر اليد لكنها تظل معلقة، والانقصام: أن يذهب كل جزء بعيدا عن الآخر أي فيه بينونة، والحق يقول: { لا انفصام لها والله سميع عليم } [البقرة: 256] توحي بأن عملية الطاغوت ستكون دائما وسوسة، وهذه الوسوسة هي: الصوت الذي يغرى بالكلام المعسول، ولذلك أخذت كلمة " وسوسة الشيطان " من وسوسة الحلي، ووسوسة الذهب هي رنين الذهب، أي وسوسة مغرية مثل وسوسة الشيطان، والله عليم بكل أمر. ويقول الحق بعد ذلك: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور... }.

[2.257]

إن الله ولي الذين آمنوا ما دام

فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى

[البقرة: 256] وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية، فما دام العبد سيتصل بالعروة الوثقى ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، وكلمة " ولي " إذا سمعتها هي من " ولي " أي: جاء الشيء بعد الشيء من غير فاصل هذا يليه هذا، وما دام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له، وما دام هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ، فقد يسير معي إنسان فإذا التوت قدمي أناديه لأنه الأقرب مني، وهو الذي سينجدني. فلا يوجد فاصل، وما دام لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له لأن من معك لا تقل له: خذ بيدي، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور، إذن فكلمة { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257] إذا نظرت إليها وجدتها تنسجم أيضا مع " سميع وعليم " ، فلا يريدك أن تناديه لأن هناك من تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه لأنه سميع وعليم، { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]. وكلمة " ولي " أيضا منها مولى ومنها وال، { ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257] أي هو الذي يتولى شئونهم وأمورهم، كما تقول: الوالي الذي تولى أمر الرعية، وكلمة " مولى " مرة تطلق على السيد، ومرة تطلق على خادمه، ولذلك يقول الشاعر:

مولاك يا مولاي طالب حاجة

أي عبدك يا سيدي طالب حاجة، فهي تستعمل في معان مترابطة لأننا قلنا: " ولي " تعني القريب، فإذا كان العبد في حاجة إلى شيء فمن أول من ينصره؟ سيده، وإذا نادى السيد، فمن أول مجيب له؟ إنه خادمه، إذن فيطلق على السيد ويطلق على العبد، ويطلق على الوالي، { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]. وقوله الحق: " الذين آمنوا " يعني جماعة فيها أفراد كثيرة، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم شيئا واحدا، وليسوا متعددين، أو أن ولاية الله لكل فرد على حدة تكون ولاية لجميع المؤمنين، وما داموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات لأنهم كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل واحد، وعن حركة واحدة. وكيف يكون { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]؟ إنه وليهم أي ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم بما أوضح لهم من الأدلة على الإيمان، هل هناك حب أكثر من هذا؟ هل تركنا لنبحث عن الأدلة أو أنه لفتنا إلى الأدلة؟ وتلك هي ولاية من ولايات الله. فقبل أن نؤمن أوجد لنا الأدلة، وعندما آمنا والانا بالمعونة، وإن حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولاية إلى أن يعطينا الجزاء الأوفى في الآخرة، إذن فهو ولي في كل المراحل، بالأدلة قبل الإيمان ولي.

ومع الإيمان استصحابا يكون ناصرنا على خصومنا وخصومه. وفي الآخرة هو ولينا بالمحبة والعطاء ويعطينا عطاء غير محدود، إذن فولايته لا تنتهي. { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } [البقرة: 257] إنه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان لأن الظلمات عادة تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن أن ترى شيئا إلا إذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئي أي أشعة تصل إليك، فإن كانت هناك ظلمة فمعنى ذلك أنه لا يأتي من الأشياء أشعة فلا تراها، وعندما يأتي النور فأنت تستبين الأشياء، هذه في الأمور المحسة وكذلك في مسائل القيم، { يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]. هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا أن نفهم أن المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فأدخلهم في ظلمات الكفر بعد أن كانوا مؤمنين، أو { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، أي يحولون بينهم وبين النور فيمنعونهم من الإيمان كما يقول واحد: أما دريت أن أبي أخرجني من ميراثه؟ إن معنى ذلك أنه كان له الحق في التوريث، وأخرجه والده من الميراث. وهذا ينطبق على الذين تركوا الإيمان، وفضلوا الظلمات. والقرآن يوضح أمر الخروج من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان في مواقع أخرى، كقول سيدنا يوسف للشابين اللذين كانا معه في السجن:

Unknown page