Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
لو يشآء الله لهدى الناس جميعا..
[الرعد: 31]. لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محبا مختارا وليس مقهورا، أن المجيء قهرا يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه، وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعا. فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟. لا، إن الرسول جاء لينقل عن الله لا ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرههم لما أرسل الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل:
ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
[يونس: 99]. إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله لأن الله لم يرد خلقه مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يكره خلقه على التدين، إلا أن هنا لبسا. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف. تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256]، ويدعي أنه مثقف، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] عقيدة وإيمانا، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت معنا مسلما فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكما من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام، فإذا كنت تشرب خمرا فإنك حر لأنك كافر مثلا، لكن أتؤمن ثم تشرب خمرا!؟ لا.
أنت بذلك تكسر حدا من حدود الله، وعليك العقاب. ولأنك ما دمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ أحدا بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيحاسب. إذن فلا يقل أحد عندما يسمع حكما من أحكام الدين: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية، فإن اتبعت هذه العقيدة صار لزاما عليك أن توفي بمطلوباتها. وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا هذه العملية فقالوا كذبا وافتراء: إن الإسلام انتشر بحد السيف. ونقول لهم: لقد شاء الله أن ينشأ الإسلام ضعيفا ويضطهد السابقون إليه بكل أنواع الاضطهاد، ويعذبون، ويخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم، ولا يستطيعون عمل شيء. إذن ففترة الضعف التي مرت بالإسلام أولا فترة مقصودة. ونقول لهم أيضا: من الذي قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلوبون على أمرهم، لا يقدرون على أن يحموا أنفسهم، إنكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون: إن الإسلام نشر بالسيف. ويتحدثون عن الجزية رفضا لها، فنقول: وما هي الجزية التي يأخذها الإسلام من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون يأخذون الجزية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي، أي أن هناك أناسا بقوا على دينهم. وما دام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم يكره أحدا. وقول الله: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] علته أن الرشد واضح والغي واضح، وما دام الأمر واضحا فلا يأتي الإكراه. لأن الإكراه يأتي في وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: { قد تبين الرشد من الغي } [البقرة: 256]. وما دام الرشد بائنا من الغي فلا إكراه. لكن الله يعطيك الأدلة، وأنت أيها الإنسان بعقلك يمكنك أن تختار، كي تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت على دخولك في الدين، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق لأنه سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك. { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } [البقرة: 256] والرشد: هو طريق النجاة، و " الغي ": هو طريق الهلاك. ويقول الحق إيضاحا للرشد والغي في آية أخرى من آيات القرآن الكريم:
سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين
[الأعراف: 146]. إن الحق يعلمنا أن المتكبرين في الأرض بغير حق لن يستطيعوا الفوز برؤية آيات الله ودلائل قدرته، وحتى إن رأوا السبيل الصحيح فلن يسيروا فيه، وإن شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لأنهم يكذبون بآيات الرحمن ويغفلون عنها. والغي - أيضا - هو ضلال الطريق، فعندما يسير إنسان في الصحراء ويضل الطريق يقال عنه: " فلان قد غوى " أي فقد الاتجاه الصحيح في السير، وقد يتعرض لمخاطر جمة كلقاء الوحوش وغير ذلك. ويوضح لنا الحق طريق الرشد بمنطوق آخر في قوله الحق:
وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا
[الجن: 10]. إن الجن قد ظنوا كما ظن بعض من معشر الإنس أن الله لن يبعث أحدا بعد الموت أو لن يرسل رسولا من البشر لهداية الكون. وقد طلب الجن بلوغ السماء فوجدوها قد ملئت حرسا من الملائكة وشهبا محرقة. وإن الجن لا يعلمون السر في حراسة السماء وهل في ذلك شر بالبشر أو أراد الله بهم خيرا وهدى. إذن فالرشد - بضم الراء وتسكين الشين - والرشد بفتح الراء وفتح الشين - كلاهما يوضح الطريق الموصل للنجاة. ويقابل الرشد الغي. ويتابع الحق: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256] أولا: نلحظ أن الحق هنا قد قدم الكفران بالطاغوت، ثم جاء بالإيمان بالله لأن الأمر يتطلب التخلية أولا والتحلية ثانيا، لابد أن يتخلى الإنسان من الطاغوت فلا يدخل على أنه يؤمن بالله وفي قلبه الطاغوت، فنحن قبل أن نكوي الثوب نغسله وننظفه، التخلية قبل التحلية. وما هو " الطاغوت "؟ إنه من مادة " طغى " ، وكلمة " طاغوت " مبالغة في الطغيان. لم يقل: طاغ، بل طاغوت، مثل جبروت، والطاغوت إما أن يطلق على الشيطان، وإما أن يطلق على من يعطون أنفسهم حق التشريع فيكفرون وينسبون من يشاءون إلى الإيمان حسب أهوائهم، ويعطون أشياء بسلطة زمنية من عندهم، ويطلق أيضا على السحرة والدجالين، ويطلق على كل من طغى وتجاوز الحد في أي شيء، فكلمة " طاغوت " مبالغة، وقد تكون هذه المبالغة متعددة الألوان، فمرة يكون الطاغي شيطانا، ومرة يكون الطاغي كاهنا، ومرة يكون ساحرا أو دجالا، ومرة يكون حاكما. ومادة " الطاغوت " تدل على أن الموصوف بها هو من تزيده الطاعة له طغيانا، فعندما يجربك في حاجة صغيرة، فتطيعه فيها فيزداد بتلك الطاعة طغيانا عليك. والحق سبحانه يقول:
فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين
Unknown page