345

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه - آية الكرسي ".

وعن أبي أمامه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" من قرأ دبر كل صلاة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ".

وعن علي - كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال:

" من قرأها - يعني آية الكرسي - حين يأخذ مضجعه آمنه الله تعالى على داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله ".

كل هذه المعاني قد وردت في أفضال هذه الآية الكريمة، وقد جلس العلماء يبحثون عن سر هذه المسألة فقال واحد منهم: انظروا إلى أسماء الله الموجودة فيها. وبالفعل قام أحد العلماء بحصر أسماء الله الحسنى فيها، فوجد أن فيها ستة عشر اسما من أسماء الله، وبعضهم قال: إن بها سبعة عشر اسما من أسماء الله الحسنى، وبعضهم قال أن فيها واحدا وعشرين اسما من أسماء الله، كل ذلك من أجل أن يستنبطوا منها أشياء، ويعلموا فضل وفضائل هذه الآية الكريمة. والذين قالوا إن بها ستة عشر اسما من أسماء الله قالوا: إن بها اسم علم واجب الوجود " الله ". واسم " هو " في لا إله إلا هو: هو الاسم الثاني. و " الحي " هو الاسم الثالث. و " القيوم " هو الاسم الرابع. وعندما ندقق في قول الحق " لا تأخذه سنة ولا نوم " نجد أن الضمير في " لا تأخذه " عائد إلى ذاته - جل شأنه -. و " له ما في السماوات وما في الأرض " فيها ضمير عائد إلى ذاته سبحانه. وكذلك الضمائر في قوله: " عنده " و " بإذنه " و " يعلم " و " من علمه " و " بما شاء " و " كرسيه " كلها تعود إلى ذاته جل شأنه. و " لا يؤوده حفظهما " فيها ضمير عائد إلى ذاته كذلك. و " هو " في قوله سبحانه " وهو العلي العظيم " اسم من أسمائه تعالى. و " العلي " اسم من أسمائه جل وعلا. و " العظيم " كذلك اسم من أسمائه سبحانه وتعالى. لكن عالما آخر قال: إنها سبعة عشر اسما من أسماء الله لأنك لم تحسب الضمير في المصدر المشتق منه الفعل الموجود بقوله: " حفظهما " إن الضمير في " هما " يعود إلى السماوات والأرض.

و " الحفظ " مصدر. فمن الذي يحفظ السماوات والأرض؟ إنه الله سبحانه وتعالى، وهكذا أصبحوا سبعة عشر اسما من أسماء الله الحسنى في آية الكرسي. وعالم ثالث قال: لا، أنتم تجاهلتم أسماء أخرى لأن في الآية الكريمة أسماء واضحة للحق جل وعلا، وهناك أسماء مشتقة، مثال ذلك: الله لا إله إلا هو. الحي هو. القيوم هو. العلي هو. العظيم هو. ولكن العلماء قالوا ردا على ذلك: صحيح أنها أسماء مشتقة ولكنها صارت أعلاما. المهم أن في الآية الكريمة ستة عشر اسما، وإن حسبنا الضمير المستتر في " حفظهما " نجد أنها سبعة عشر اسما، وإذا حسبنا الضمير الموجود في المشتقات مثل " الحي هو " و " القيوم هو " و " العلي هو " و " العظيم هو ". صارت أسماء الله الحسنى الموجودة في هذه الآية الكريمة واحدا وعشرين اسما. إذن هي آية قد جمعت قدرا كبيرا من أسماء الله، ومن ذلك جاءت عظمتها. وهذه الآية الكريمة قد بينت ووضحت قواعد التصور الإيماني، وأنشأت عقيدة متكاملة يعتز المؤمن أن تكون هذه العقيدة عقيدته. والآية في ذاتها تتضمن حيثيات الإيمان، إنه ما دام هو الله لا إله إلا هو، وما دام هو الحي القيوم على أمر السماء والأرض، وكل شيء بيده، وهو العلي العظيم، فكل هذه مبررات لأن نؤمن به سبحانه وتعالى، وأن نعتز بأن نعتقد هذه المعتقدات، وتكون هي الدليل على أن المؤمن فخور بهذا الدين الذي كان أمر الألوهية المطلقة واضحا وبينا فيه. ولذلك فمن الطبيعي ألا يقهر الحق أحدا على الإيمان به إكراها، لأن الذي يقهر أحدا على عقيدة ما، هو أول من يعتقد أنه لولا الإكراه على هذه العقيدة لما اعتقدها أحد. ونحن في حياتنا اليومية نجد أن أصحاب المبادئ الباطلة هم الذين يمسكون السياط من أجل إكراه الناس على السير على مبادئهم. وكل من أصحاب هذه المبادئ الباطلة يعلم تمام العلم أنه لو ترك السوط والقهر ما سار إنسان على مثل هذه المبادئ الباطلة. ولو كان أحد من أصحاب هذه المبادئ الباطلة معتقدا أن مبدأه سليم لقال: أطرح هذا المبدأ على الناس، وأترك لهم الخيار لأنه في هذه الحالة سيكون واثقا من مبدئه. أما الذي يقهر الناس إكراها بالسوط أو السلطان ليعتقدوا مبدأ ما، فهو أول من يشك في هذا المبدأ، وهو أول من يعتقد أنه مبدأ باطل. مثل هؤلاء نراهم عندما تضعف أيديهم عن استعمال السوط أو السلطان فإن أمر مبدئهم ينهزم ويسقط بنيانه. والحق سبحانه وتعالى بعد ذلك يقول: { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي... }.

[2.256]

إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256]. والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيرا في أن يفعله. أي لا يرى الشخص المكره فيه خيرا حتى يفعله. ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراها، إنما هي أمور نقوم بها لصالح من حولنا لأن أحدا لا يسره أن يظل مريضا. إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256]. ومعنى هذه الآية أن الله لم يكره خلقه - وهو خالقهم - على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصي أمره. فيقول سبحانه:

Unknown page