344

[غافر: 57]. وعندما يقول: إن الكرسي وسع السماوات والأرض، إذن، فهو أعظم من السماوات والأرض أي دخل في وسعه السماوات والأرض. ولذلك يقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه:

" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة ".

والبشرية بكل ما وصلت له من إنجازات علمية قد وصلت إلى القمر فقط وهو مجرد ضاحية من ضواحي الأرض، ومفصول عنا بمسافة تقاس بالثواني الضوئية، ولقد تعودنا في حياتنا أن نستخدم وحدات الميل والكيلومتر لقياس الأطوال والأبعاد الكبيرة، لكننا اكتشفنا أن هذه الوحدات ليست ذات نفع في قياس أبعاد النجوم لأننا نعرف مثلا أن الشمس تبعد عن الأرض ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال، ولكن عندما نريد أن نرصد المسافة بيننا وبين أحد النجوم فلسوف نضطر إلى استخدام أعداد كثيرة من الأصفار أمام رقم ما، وهذا يجعل التعبير غير عملي، ولهذا السبب وضع علماء الفلك وحدة ملائمة لقياس أبعاد النجوم وهي ما نسميه السنة الضوئية. ونحن نعرف أن سرعة الضوء حوالي ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية. ولذلك فقياس أي مسافة بيننا وبين أي نجم في السماء أمر يحتاج إلى حسابات دقيقة وكثيرة ودراسة علوم متعددة. فالشمس بيننا وبينها ثلاثة وتسعون مليونا من الأميال ويصلنا ضوؤها في خلال ثماني دقائق وثلث الدقيقة. والشعرى اليمانية وهي ألمع نجوم السماء يصل إلينا ضؤوها في تسع سنوات ضوئية. إذن فالسنة الضوئية هي وحدة لقياس المسافات الفلكية. ونحن نذهل عندما نعرف أن بعض النجوم يصل ضؤوها إلينا في خمسين سنة ضوئية!! كل ذلك ونحن لم نصل بعد إلى السماء الدنيا، فما بالنا ببقية السماوات؟ إذن فحدود ملك الله فوق تصورنا.

ولنا أن نعرف أي تكريم من الحق للمؤمنين حين يصور لنا ضخامة الجنة يقول سبحانه:

سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم

[الحديد: 21]. هذه هي الجنة التي أعدها الله للمؤمنين بالله ورسله الذين يسارعون إلى طلب غفران الله. فإذا كان عرض الجنة هو السماوات والأرض، فما طولها إذن؟ وكم يكون بعدها؟ والعرض كما نعرف هو أقل البعدين. إذن يجب أن نفهم أن هناك عوالم أخرى غير السماء والأرض، لكن عيوننا لا تبصر فقط إلا ما أراده الحق لنا من السماء والأرض، ولذلك فعندما نسمع قول الحق: { وسع كرسيه السماوات والأرض } [البقرة: 255] فلنا أن نتخيل أي عظمة هي عظمة كرسي ذي الجلال والإكرام. إن الحق يقول: { وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255]، ومعنى آده الشيء، أي أثقله. وحتى نفهم ذلك هب أن إنسانا يستطيع أن يحمل عشرة كيلوجرامات، فإن زدنا هذا الحمل إلى عشرين من الكيلوجرامات فإن الحمل يثقل عليه، ويجعل عموده الفقري معوجا حتى يستطيع أن يقاوم الثقل. فإن زدنا الحمل أكثر فقد يقع الرجل على الأرض من فرط زيادة الوزن الثقيل. إذن فمعنى { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255] أي أنه لا يثقل على الله حفظ السماوات والأرض. إن السماء والأرض وهما فوق اتساع رؤية البشر فقد وسعهما الكرسي الرباني. وقال بعض المفسرين: إذا كان الكرسي لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض فما بالنا بصاحب الكرسي!!؟ هاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يطمئننا فيقول:

إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا

[فاطر: 41]. إنه الحق وحده سبحانه وتعالى الذي يحفظ السماوات والأرض في توازن عجيب ومذهل، ولئن قدر لهما أن تزولا. فلن يحفظهما أحد بعد الله، أي لا يستطيع أحد إمساكهما فهما قائمتان بقدرة الواحد القهار، وإذا أراد الله أن تزولا فلا يستطيع أحد أن يمسكهما ويمنعهما من الزوال. وإذا كانت هذه الأشياء الضخمة من صنع الله وهو فوقها، فإنه عندما يصف نفسه بأنه " علي " و " عظيم " فذلك أمر طبيعي. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا تذييلا منطقيا يقتضيه ما تقدمت به الآية الجليلة: آية الكرسي، إنه الحق يقول: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] وكلمة " علي " صيغة مبالغة في العلو. و " العلي " هو الذي لا يوجد ما هو أعلى منه فكل شيء دونه. هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها نعرفها بآية الكرسي لأن كلمة " الكرسي " هي الظاهرة فيها. وكلمة " الكرسي " فيها : تعني السلطان والقهر والقدرة والملكية وكلها مأخوذة من صفات الحق جل وعلا.

إنه لا إله إلا هو. إنه الحي. إنه القيوم. إنه الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. والشفاعة عنده مأذون فيها بإرادته هو وحده وليس بإرادة سواه. وهو العليم بكل شيء، الذي يسع كرسيه السماوات والأرض وهو العلي فلا أعلى منه، وهو العظيم بمطلق العظمة. وتتجمع كل هذه الصفات لتضع أمامنا أصول التصور في العقيدة الإيمانية، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة، ومنها نستخلص أنها آية لها قدرها ومقدارها عند الله.فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "

" وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة: " ما فعل أسيرك البارحة "؟ قال: قلت يا رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: " أما إنه كذبك وسيعود " فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا هريرة: " ما فعل أسيرك "؟ فقلت يا رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال: " أما إنه قد كذبك وسيعود " فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " حتى تختم الآية فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فعل أسيرك البارحة "؟ قلت يا رسول الله: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: " ما هي " قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أي الصحابة أحرص شيء على تعلم الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما أنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال صلى الله عليه وسلم: " ذاك الشيطان " ".

Unknown page