Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
وأخذن منكم ميثاقا غليظا
[النساء: 21]. إنه ميثاق غليظ لأنه أباح للزوجين عورات الآخر، في حين أنه لم يقل عن الإيمان إنه ميثاق غليظ، قال عنه: " ميثاق " فقط، فكأن ميثاق الزواج أغلظ من ميثاق الإيمان. والحق سبحانه يريد أن يربي في الناس حل المشكلات بأيسر الطرق. لذلك شرع لنا أن نحل عقدة النكاح، ونهاية العقدة ليست كبدايتها، ليست جذرية، فبداية النكاح كانت أمرا جذريا، أخذناه بإيجاب وقبول وشهود وأنت حين تدخل في الأمر تدخله وأنت دارس لتبعاته وظروفه ، لكن الأمر في عملية الطلاق يختلف فالرجل لا يملك أغيار نفسه، فربما يكون السبب فيها هينا أو لشيء كان يمكن أن يمر بغير الطلاق فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل للناس أناة وروية في حل العقدة فقال: { الطلاق مرتان } [البقرة: 229] يعني مرة ومرة، ولقائل أن يقول: كيف يكون مرتين، ونحن نقول ثلاثة؟ وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال يا رسول الله قال الله تعالى: { الطلاق مرتان } [البقرة: 229] فلم صار ثلاثا؟ فقال صلى الله عليه وسلم مبتسما: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229]. فكأن معنى { الطلاق مرتان } [البقرة: 229]، أي أن لك في مجال اختيارك طلقتين للمرأة، إنما الثالثة ليست لك، لماذا؟ لأنها من بعد ذلك ستكون هناك بينونة كبرى ولن تصبح مسألة عودتها إليك من حقك، وإنما هذه المرأة قد أصبحت من حق رجل آخر..
حتى تنكح زوجا غيره
[البقرة: 230]. أما قول الرجل لزوجته أنت " طالق ثلاثا " يعتبر ثلاث طلقات أم لا؟ نقول: إن الزمن شرط أساسي في وقوع الطلاق، يطلق الرجل زوجته مرة، ثم تمضي فترة من الزمن، ويطلقها مرة أخرى فتصبح طلقة ثانية، وتمضي أيضا فترة من الزمن وبعد ذلك نصل لقوله: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229] ولذلك فالآية نصها واضح وصريح في أن الطلاق بالثلاث في لفظ واحد لا يوقع ثلاث طلقات، وإنما هي طلقة واحدة، صحيح أن سيدنا عمر رضي الله عنه جعلها ثلاث طلقات لأن الناس استسهلوا المسألة، فرأى أن يشدد عليهم ليكفوا، لكنهم لم يكفوا، وبذلك نعود لأصل التشريع كما جاء في القرآن وهو { الطلاق مرتان } [البقرة: 229]. وحكمة توزيع الطلاق على المرات الثلاث لا في العبارة الواحدة، أن الحق سبحانه يعطي فرصة للتراجع.
وإعطاء الفرصة لا يأتي في نفس واحد وفي جلسة واحدة. إن الرجل الذي يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثا لم يأخذ الفرصة ليراجع نفسه ولو اعتبرنا قولته هذه ثلاث طلقات لتهدمت الحياة الزوجية بكلمة. ولكن عظمة التشريع في أن الحق سبحانه وزع الطلاق على مرات حتى يراجع الإنسان نفسه، فربما أخطأ في المرة الأولى، فيمسك في المرة الثانية ويندم. وساعة تجد التشريع يوزع أمرا يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث، فلا بد من وجود فاصل زمني بين كل مرة. وبعض المتشدقين يريدون أن يبرروا للناس تهجمهم على منهج الله فيقولون: إن الله حكم بأن تعدد الزوجات لا يمكن أن يتم فقال:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم..
[النساء: 129]. ويقولون: إن الله اشترط في التعدد العدل، ثم حكم بأننا لن نستطيع أن نعدل بين الزوجات مهما حرصنا، فكأنه رجع في التشريع، هذا منطقهم. ونقول لهم: أكملوا قراءة الآية تفهموا المعنى، إن الحق يقول:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم
[النساء: 129] ثم فرع على النفي فقال:
فلا تميلوا كل الميل
Unknown page