Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[النساء: 129]. وما دام النفي قد فرع عليه فقد انتفى، فالأمر كما يقولون: نفي النفي إثبات. أن الاستطاعة ثابتة وباقية وكان قوله تعالى:
فلا تميلوا كل الميل
[النساء: 129] إشارة إليها. وكذلك الأمر هنا { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229]. فما دام قد قال: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229] وقال: { الطلاق مرتان } [البقرة: 229] أي أن لكل فعل زمنا، فذلك يتناسب مع حلقات التأديب والتهذيب، وإلا فالطلاق الثلاث بكلمة واحدة في زمن واحد، يكون عملية قسرية واحدة، وليس فيها تأديب أو إصلاح أو تهذيب، وفي هذه المسألة يقول الحق: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229] لأن المفروض في الزوج أن يدفع المهر نظير استمتاعه بالبضع، فإذا ما حدث الطلاق لا يحل للمطلق أن يأخذ من مهره شيئا، لكن الحق استثنى في المسألة فقال: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]. فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يجعل للمرأة مخرجا إن أريد بها الضرر وهي لا تقبل هذا الضرر. فيأتي الحق ويشرح: ما دام قد خافا ألا يقيما حدود الله، فقد أذن لها أن افتدي نفسك أيتها المرأة بشيء من مال ، ويكره أن يزيد على المهر إلا إذا كان ذلك ناشئا عن نشوز منها ومخالفة للزوج فلا كراهة إذن في الزيادة على المهر. وقد جاء الواقع مطابقا لما شرع الله عندما وقعت حادثة " جميلة " أخت " عبد الله ابن أبي " حينما كانت زوجة لعبد الله بن قيس، فقد ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: " أنا لا أتهمه في دينه ولا خلقه ولكن لا أحب الكفر في الإسلام " وهي تقصد أنها عاشت معه وهي تبغضه، لذلك لن تؤدي حقه وذلك هو كفر العشير أي إنكار حق الزوج وترك طاعته.
وهي قد قالت: إنها لا تتهمه لا في دينه ولا في خلقه لتعبر بذلك عن معان عاطفية أخرى، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم منها ذلك، فقالت: لقد رفعت الخباء فوجدته في عدة رجال فرأيته أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، فقال لها صلى الله عليه وسلم:
" " أتردين حديقته "؟ فقالت: وإن شاء زدته، فقال صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا بالزيادة، لكن ردي عليه حديقته ".
ويسمى هذا الأمر بالخلع، أي أن تخلع المرأة نفسها من زوجها الذي تخاف ألا تؤدي له حقا من حقوق الزوجية، إنها تخلع نفسها منه بمال حتى لا يصيبه ضرر، فقد يريد أن يتزوج بأخرى وهو محتاج إلى ما قدم من مهر لمن تريد أن تخلع نفسها منه. ويتابع الحق سبحانه: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229] وهذا الشيء هو الذي قال عنه الله في مكان آخر:
وآتيتم إحداهن قنطارا
[النساء: 20]. ويتابع الحق الآية بقوله: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229] والمقصود هنا هما الزوجان، ومن بعد ذلك تأتي مسئولية أولياء أمر الزوجين والمجتمع الذي يهمه أمرهما في قوله: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } [البقرة: 229]. وحدود الله هي ما شرعه الله لعباده حدا مانعا بين الحل والحرمة. وحدود الله إما أن ترد بعد المناهي، وإما أن ترد بعد الأوامر، فإن وردت بعد الأوامر فإنه يقول: { تلك حدود الله فلا تعتدوها } [البقرة: 229] أي آخر غايتكم هنا، ولا تتعدوا الحد، ولكن إن جاءت بعد النواهي يقول:
تلك حدود الله فلا تقربوها
[البقرة: 187]، لأن الحق يريد أن يمنع النفس من تأثير المحرمات على النفس، فتلح عليها أن تفعل، فإن كنت بعيدا عنها فالأفضل أن تظل بعيدا. وانظر جيدا فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
Unknown page