Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا
[الأحقاف: 15]. فإذا أخذنا من الآية الأولى أربعة وعشرين شهرا وهي مدة الرضاع وطرحناها من الثلاثين شهرا التي تجمع بين الحمل والرضاع في الآية الثانية فهمنا أن الحمل قد يكون ستة أشهر. هنا قال سيدنا عثمان متعجبا: والله ما فطنت لهذا. إذن فحمل الستة الشهور أمر ممكن، ومن هنا نفهم الحكمة في قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } [البقرة: 228]، حتى لا تدعي المرأة أنها ليست حاملا وتتزوج رجلا آخر وتنسب إليه ولدا ليس من صلبه ويترتب على ذلك أكثر من إشكال، منها ألا يرث الولد من الأب الأول، وأن محارمه لم تعد محرمة عليه، فأخته من أبيه لم تعد أخته، كذلك عماته وخالاته وتنقلب الموازين، هذا من جانب الأب الأصلي. أما من جانب الزوج الثاني فالطفل يكتسب حقوقا غير مشروعة له، سيرث منه، وتصبح محارم الرجل الثاني محارمه فيدخل عليهن بلا حق ويرى عوراتهن، وتحدث تداخلات غير مشروعة. إذن فقوله الحق: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } [البقرة: 228] هو قول يريد به الحق أن تقوم الحياة على طهر وعلى شرف وعلى عفاف، ولا يعتدي أحد على حقوق الآخر. هذا بالنسبة للحمل. فكيف يكون الحال بالنسبة للحيض؟ أيضا لا يحل لها أن تكتم حيضا لتطيل زمن العدة مع زوجها. ويقول الحق: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 228]. فما علاقة الإيمان هنا بالحكم الشرعي؟ إنها علاقة وثيقة لأن الحمل أو الحيض مسائل خفيفة لا يحكمها قانون ظاهر، إنما الذي يحكمها هو عملية الإيمان، ولذلك قيل: " الغيب لا يحرسه إلا غيب " وما دام الشيء غائبا فلن يحرسه إلا الغيب الأعلى وهو الله تعالى. ويتابع الحق: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } [البقرة: 228] البعل هو الزوج، وهو الرب والسيد والمالك، وفي أثناء فترة التربص يكون الزوج أحق برد زوجته إلى عصمته، وقوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن } [البقرة: 228] هل يعني ذلك أن هناك أناسا يمكن أن يشاركوا الزوج في الرد؟ لأن الحق جاء بكلمة " أحق " وفي ظاهرها تعطي الحق لغير الأزواج أن يراجعوا؟ لا، إنما المقصود هو أنه لا حق لأحد هنا إلا للزوج، فالرد خلال العدة من حق الزوج، فليس للزوجة أن تقول: لا، وليس لولي الزوجة أن يقول: لا.
فالزوج إذا أراد مراجعة زوجته وأبت وامتنعت هي وجب إيثار وتقديم رغبته على رغبتها، وكان هو أحق منها، ولا ينظر إلى قولها، فإنه ليس لها في هذا الأمر حق فقد رضيت به أولا. أما إذا انتهت العدة فالصورة تختلف، لابد من الولي، ولابد من عقد ومهر جديدين واشتراط موافقة الزوجة. { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228] هذا إن أرادوا إصلاحا. والإرادة عمل غيبي، فكأنها تهديد للزوجين، إن التشريع يجيز لهما العودة، لكن إذا كان الزوج يريد أن يردها ليوقع بها الضرر لسبب في نفسه فالدين يقول له: لا، ليس لك ذلك. وإن كان القضاء يجيز له ردها، إلا أن الله يحرم عليه ذلك الظلم. إن من حق الزوج أن يرد زوجته ردا شرعيا للعفة من الإحصان ولغرض الزوجية لا لشيء آخر، أما غير ذلك كالإضرار بها والانتقام منها فلا يجيز له الدين ذلك. أما قضائيا، فالقضاء يعطيه الحق في ردها ولا يستطيع أحد أن يقف أمامه مهما كانت الأسباب الكامنة في نفسه، لكن عليه أن يتحمل وزر ذلك العمل. ويتابع الحق: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } [البقرة: 228] أي أن للزوجة مثل ما للزوج، لكن ما الذي لهن وما الذي عليهن؟ المثلية هنا في الجنس، فكل منهما له حق على الآخر حسب طبيعته، الزوج يقدم للزوجة بعضا من خدمات، والزوجة تقدم له خدمات مقابلة لأن الحياة الزوجية مبنية على توزيع المسئوليات، إن الرجل عليه مسئوليات تقتضيها طبيعته كرجل، والمرأة عليها مسئوليات تحتمها طبيعتها كأنثى. والرجل مطالب بالكدح والسعي من أجل الإنفاق. والمرأة مطالبة بأن توفر للرجل البيت المناسب ليسكن إليها عندما يعود من مهمته في الحياة. ولذلك يقول الله عز وجل:
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
[الروم: 21]. والسكن إلى شيء هو نقيض التحرك، ومعنى " لتسكنوا إليها " أي إنكم تتحركون من أجل الرزق طوال النهار ثم تعودون للراحة عند زوجاتكم، فالرجل عليه الحركة، والمرأة عليها أن تهيئ له حسن الإقامة، وجمال العشرة وحنان وعطف المعاملة. فالمسئوليات موزعة توزيعا عادلا، فهناك حق لك هو واجب على غيرك، وهناك حق لغيرك وهو واجب عليك. ويقول الحق: { وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228] وهي درجة الولاية والقوامة. ودرجة الولاية تعطينا مفهوما أعم وأشمل، فكل اجتماع لابد له من قيم، والقوامة مسئولية وليست تسلطا، والذي يأخذ القوامة فرصة للتسلط والتحكم فهو يخرج بها عن غرضها فالأصل في القوامة أنها مسئولية لتنظيم الحركة في الحياة. ولا غضاضة على الرجل أن يأتمر بأمر المرأة فيما يتعلق برسالتها كامرأة وفي مجالات خدمتها، أي في الشئون النسائية، فكما أن للرجل مجاله، فللمرأة مجالها أيضا.
. والدرجة التي من أجلها رفع الرجل هي أنه قوام أعلى في الحركة الدنيوية، وهذه القوامة تقتضي أن ينفق الرجل على المرأة تطبيقا لقوله الحق:
وبمآ أنفقوا من أموالهم
[النساء: 34]. إذن فالإنفاق واجب الرجل ومسئوليته، وليعلم أن الله عزيز لا يحب أن يستذل رجل امرأة هي مخلوق لله، والله حكيم قادر على أن يقتص للمرأة لو فهم الرجل أن درجته فوق المرأة هي للاستبداد، أو فهمت المرأة أن وجودها مع الرجل هي منة منها عليه، فلا استذلال في الزواج لأن الزواج أساسه المودة والمعروف. ويقول الحق بعد ذلك: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان... }.
[2.229]
هنا يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق بعد أن تحدث عن المطلقة في عدتها وكيفية ردها ومراجعتها، وإنه سبحانه يتحدث عن الطلاق في حد ذاته والطلاق مأخوذ من الانطلاق والتحرر، فكأنه حل عقدة كانت موجودة وهي عقدة النكاح، وعقدة النكاح هي العقدة التي جعلها الله عقدا مغلظا وهي الميثاق الغليظ، فقال تعالى:
Unknown page