Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[النور: 26]. إن هذا وإن كان كلاما خبريا لكنه تشريع إنشائي يحتمل أن تطيع وأن تعصي ولكن الله يطلب منا أن تكون القضية هكذا " الخبيثات للخبيثين " يعني أن ربكم يريد أن تكون " الخبيثات للخبيثين " وأن تكون " الطيبات للطيبين " وليس معنى ذلك أن الواقع لابد أن يكون كما جاء في الآية، إنما الواقع يكون كذلك لو نفذنا كلام الله وسيختلف إذا عصينا الله وتمردنا على شرعه. والمعنى نفسه في قوله تعالى :
ومن دخله كان آمنا..
[آل عمران: 97]. أي اجعلوا من يدخل البيت الحرام آمنا. ويحتمل أن يعصي أحد الله فلا يجعل البيت الحرام آمنا. إذن فقوله الحق: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228] هو حكم تكليفي يستحق النفاذ لمن يؤمن بالله، وقوله: " يتربصن " أي ينتظرن، واللفظ هنا يناسب المقام تماما، فالمتربصة هي المطلقة، ومعنى مطلقة أنها مزهود فيها، وتتربص انتهاء عدتها حتى ترد اعتبارها بصلاحيتها للزواج من زوج آخر. ولم ينته القول الكريم بقوله: " يتربصن " وإنما قال: { يتربصن بأنفسهن } [البقرة: 228] مع أن المتربصة هي نفسها المطلقة ذلك لأن النفس الواعية المكلفة والنفس الأمارة بالسوء تكونان في صراع على الوقت وهو { ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، " وقروء " جمع " قرء " وهو إما الحيضة وإما الطهر الذي بين الحيضتين.
وقوله الحق سبحانه وتعالى: { ثلاثة قروء } [البقرة: 228] ما المقصود به؟ هل هو الحيضة أم الطهر؟ إن المقصود به الطهر، لأنه قال: " ثلاثة " بالتاء، ونحن نعرف أن التاء تأتي مع المذكر، ولا تأتي مع المؤنث، و " الحيضة " مؤنثة و " الطهر " مذكر، إذن، { ثلاثة قروء } [البقرة: 228] هي ثلاثة أطهار متواليات. والعلة هي استبراء الرحم وإعطاء مهلة للزوجين في أن يراجعا نفسيهما، فربما بعد الطهر الأول أو الثاني يشتاق أحدهما للآخر، فتعود المسائل لما كانت عليه، لكن إذا مرت ثلاثة أطهار فلا أمل ولا رجاء في الرجوع. ثم يقول الحق بعد ذلك: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } [البقرة: 228] وما معنى الخلق؟ الخلق هو إيجاد شيء كان معدوما، وهذا الشيء الذي كان معدوما إما أن يكون حملا وإما أن يكون حيضا، وللحامل عدة جاءت في قوله الحق.
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
[الطلاق: 4]. أما المرأة الحائل وهي التي بدون حمل، فعدتها أن تحيض وتطهر ثلاث مرات وهناك حالة ثالثة هي:
واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن
[الطلاق: 4]. أي أن المرأة التي انقطعت عنها الدورة الشهرية فعدتها " ثلاثة أشهر " الحكم نفسه للصغيرة التي لم تحض بعد، أي عدتها ثلاثة أشهر. إذن فنظام العدة له حالات: * إن كانت غير حامل فعدتها ثلاثة قروء أي ثلاثة أطهار إن كانت ممن يحضن. * إن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها. * وإن لم تكن حاملا وقد بلغت سن اليأس ولم تعد تحيض، أو كانت صغيرة لم تصل لسن الحيض، هذه وتلك عدتها ثلاثة أشهر. وقوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } [البقرة: 228] يدل على أن المرأة لها شهادتها لنفسها في الأمر الذي يخصها ولا يطلع عليه سواها. وهي التي تقرر المسألة بنفسها، فتقول: أنا حامل أولا، وعليها ألا تكتم ذلك، فقد يجوز أن تكون حاملا وبعد ذلك تكتم ما في بطنها حتى لا تنتظر طول مدة الحمل وتتزوج رجلا آخر فينسب الولد لغير أبيه، فغالبا ما يستمر الحمل تسعة أشهر ولكن فيه استثناء، فهناك حمل مدته سبعة شهور، وأحيانا ستة شهور. وقد تتزوج المرأة المطلقة بعد ثلاثة شهور وتدعي أنها حامل من الزوج الجديد وأن حملها لم يستمر سوى سبعة أشهر أو ستة أشهر. وبعضنا يعرف قصة الحامل في ستة شهور، فقد جاءوا بامرأة لسيدنا عثمان رضي الله عنه لأنها ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقيم عليها حد الزنى، فتدخل الإمام علي ابن أبي طالب وقال: كيف تقيم عليها الحد لأنها ولدت لستة أشهر، ألم تقرأ قول الحق سبحانه وتعالى؟ قال عثمان: وماذا قال الحق في ذلك؟ فقرأ الإمام علي قول الله:
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين
[البقرة: 233]. أي أنها ترضع الوليد لمدة أربعة وعشرين شهرا، وفي آية أخرى قال الحق:
Unknown page