Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[آل عمران: 14]. هناك " زين للناس " وفي آية البقرة التي نحن بصددها { زين للذين كفروا } [البقرة: 212] لماذا قال الحق هناك: " زين للناس " ولماذا قال هنا: " زين للذين كفروا "؟ لقد قال الحق ذلك لأن الذين كفروا ليس عندهم إلا الحياة الدنيا، فالأعلى لا يؤمنون به، ولكن في مسألة الناس عامة عندما يقول الله عز وجل:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب
[آل عمران: 14] فهو سبحانه يقول للناس: خذوا الحياة على قدرها وزينت يعني حسنت.
فمن الذي حسنها؟ لقد حسنها الله عز وجل. فكيف تنسى الذي حسنها لك، وجعلها تحت تصرفك. كان يجب أن تأخذها وسيلة للإيمان بمن رزقك إياها، وكلما ترى شيئا جميلا في الوجود تقول: " سبحان الله " ، وتزداد إيمانا بالله، أما أن تأخذ المسألة وتعزلها عمن خلقها فذلك هو المقياس النازل. أو أن الله سبحانه وتعالى هو الذي زينها بأن جعل في الناس غرائز تميل إلى ما تعطيه هذه الحياة الدنيا، ونقول: هل أعطى سبحانه الغرائز ولم يعط منهجا لتعلية هذه الغرائز؟ لا، لقد أعطى الغرائز وأعطى المنهج لتعلية الغرائز، فلا تأخذ هذه وتترك تلك. ولذلك يقول الحق:
والباقيات الصالحات خير..
[الكهف: 46]. والحق عندما يقول: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212] هو يفضح من يعتقدون أنه لا حياة بعد هذه الحياة، ونقول لهم: هذا مقياس نازل، وميزان غير دقيق، ودليل على الحمق لأنكم ذهبتم إلى الأدنى وتركتم الأعلى. ومن العجيب أنكم فعلتم ذلك ثم يكون بينكم وبين من اختار الأعلى هذه المفارقات. أنتم في الأدنى وتسخرون من الذين التفتوا إلى الأعلى، إن الحق يقول: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]. لماذا يسخرون منهم. لأن الذين آمنوا ملتزمون، وما دام الإنسان ملتزما فسيعوق نفسه عن حركات الوجود التي تأتيه من غير حل، لكن هؤلاء قد انطلقوا بكل قواهم وملكاتهم إلى ما يزين لهم من الحياة. لذلك تجد إنسانا يعيش في مستوى دخله الحلال، ولا يملك إلا حلة واحدة " بدلة " ، وإنسانا آخر يسرق غيره، فتجد الثاني الذي يعيش على أموال غيره حسن المظهر والهندام وعندما يلتقي الإثنان تجد الذي ينهب يسخر من الذي يعيش على الحلال، لماذا؟ لأنه يعتبر نفسه في مقياس أعلى منه، يرى نفسه حسن الهندام و " الشياكة " فيحسم الحق هذه المسألة ويقول: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]. لماذا يوم القيامة، أليسوا فوقهم الآن؟ إن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المنظور المرئي للناس لأنهم لا ينظرون إلى الراحة النفسية وهي انسجام ملكات الإنسان حينما يذهب لينام، ولم يجرب على نفسه سقطة دينية ولا سقطة خلقية، ولا يؤذي أحدا، ولا يرتشي، ولا ينم ولا يغتاب، كيف يكون حاله عندما يستعرض أفعال يومه قبل نومه؟ لابد أن يكون في سعادة لا تقدر بمال الدنيا. ولذلك لم يدخل الله هذا الإحساس في المقارنة، وإنما أدخل المسألة التي لا يقدر عليها أحد. { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين
[المطففين: 29-33]. ثم يقول الحق بعد ذلك:
فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
[المطففين: 34-36]. أي هل عرفنا أن نجازيهم؟ نقول: نعم يا رب. خصوصا أن ضحك الآخرة ليس بعده بكاء. { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212] ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى خالف الأسلوب في هذه الآية، لقد كان المفروض أن يقول: والذين آمنوا فوقهم. لكنه قال: { والذين اتقوا فوقهم } [البقرة: 212] لأنه قد يؤخذ الإيمان على أنه اسم، فقد شاع عنك أنك مؤمن، فأنت بهذا الوصف لا يكفي لتنال به المرتبة السامية إلا إذا كانت أفعالك تؤدي بك إلى التقوى. فلا تقل: " أنا مؤمن " ويقول غيرك: " أنا مؤمن " ، ويصبح المؤمنون مليارا من البشر في العالم، نقول لهؤلاء: أنتم لن تأخذوا الإيمان بالاسم وإنما تأخذون الإيمان بالالتزام بمنهج السماء. ولذلك لم يقل الله: " والذين آمنوا فوقهم يوم القيامة " وإنما قال: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212] ليعزل الاسم عن الوصف. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: { والله يرزق من يشآء بغير حساب } [البقرة: 212]. ما هو الرزق؟ الرزق عند القوم: هو كل ما ينتفع به فكل شيء تنتفع به هو رزق. وطبقا لهذا التعريف فاللصوص يعتبرون الحرام رزقا، ولكنه رزق حرام. والناس يقصرون كلمة الرزق على شيء واحد يشغل بالهم دائما وهو " المال " نقول لهم: لا، إن الرزق هو كل ما ينتفع به، فكل شيء يكون مجاله الانتفاع يدخل في الرزق: علمك رزق، وخلقك رزق، وجاهك رزق، وكل شيء تنتفع به هو رزق. ساعة تقول: إن كل ذلك رزق تأخذ قول الله:
Unknown page