289

فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء..

[النحل: 71]. كأن الله يريد من خلقه استطراق أرزاقهم على غيرهم، وكل إنسان متميز وتزيد عنده حاجة عليه أن يردها على الناس، لكن الناس لا تفهم الرزق إلا على أنه مال، ولا يفهمون أنه يطلق على كل شيء ينتفعون به. إذا كان الأمر كذلك فما معنى { يرزق من يشآء بغير حساب } [البقرة: 212] كلمة " بغير حساب " لابد أن نفهمها على أن الحساب يقتضي محاسب، ومحاسب، ومحاسب عليه. وعلى هذا يكون " بغير حساب " ممن ولمن وفي ماذا؟ إنه رزق بغير حساب من الله فقد يرزقك الله على قدر سعيك، وربما أكثر، وهو يرزق بغير حساب، لأنه لا توجد سلطة أعلى منه تقول له: لماذا أعطيت فلانا أكثر مما يستحق. وهو يرزق بغير حساب لأن خزائنه لا تنفد. ويرزق بغير حساب لأنه لا يحكمه قانون، وإنما يعطي بطلاقة القدرة.

إنه جل وعلا يعطي للكافر حتى تتعجب أنت وتقول: يعطي الكافر ولا يعطي المؤمن لماذا؟ إذا استطاع أحد أن يحاسبه فليسأل لماذا يفعل ذلك؟ إنه يعطي مقابلا للحسنة سبعمائة ضعف بغير حساب. إن الحساب إنما يأتي عندما تأخذ معدودا، فإذا أخذت مثلا مائة من ألف فأنت طرحت معدودا من معدود فلا بد أن ينقص، وعندما تراه ينقص فأنت تخاف من العطاء. لكن الله بخلاف ذلك، إنه يعطي معدودا من غير معدود. إذن ساعة تقرأ " بغير حساب " فقل إن الحساب إن كان واقعا من الله على الغير، فهو لا يعطي على قدر العمل بل يزيد، ولن يحاسب نفسه ولن يحاسبه أحد.

ما عندكم ينفد وما عند الله باق

[النحل: 96]. إذن { يرزق من يشآء بغير حساب } [البقرة: 212] تجعل كل إنسان يلزم أدبه إن رأى غيره قد رزق أكثر منه لأنه لا يعلم حكمة الله فيها. وهناك أناس كثيرون عندما يعطيهم الله نعمة يقولون: " ربنا أكرمنا " ، وعندما يسلبهم النعمة يقولون: " ربنا أهاننا " ، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن

[الفجر: 15-16]. كلا. مخطئ أنت يا من اعتبرت النعمة إكراما من الله، وأنت مخطئ أيضا يا من اعتبرت سلب النعمة إهانة من الله إن النعمة لا تكون إكراما من الله إلا إذا وفقك الله في حسن التصرف في هذه النعمة، ولا تكون النعمة إهانة إلا إذا لم يوفقك الله في أداء حق النعمة، وحق النعمة في كل حال يكون بشكر المنعم، وعدم الانشغال بها عمن رزقك إياها. ونحب أن نفهم أيضا أن قول الله سبحانه وتعالى: { والله يرزق من يشآء بغير حساب } [البقرة: 212] ينسحب على معنى آخر، وهو أنه - سبحانه - لا يحب أن تقدر أنت رزقك بحساب حركة عملك فقط فحساب حركة عملك قد يخطئ. مثال ذلك الفلاح الذي يزرع ويقدر رزقه فيما ينتج من الأرض، وربما جاءت آفة تذهب بكل شيء كما نلاحظ ونشاهد، ويصبح رزق الفلاح في ذلك الوقت من مكان آخر لم يدخل في حسابه أبدا. ولهذا فإن على الإنسان أن يعمل في الأسباب، ولكنه لا يأخذ حسابا من الأسباب، ويظن أن ذلك هو رزق لأن الرزق قد يأتي من طريق لم يدخل في حسابك ولا في حساباتك، وقال الحق في ذلك:

ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب

[الطلاق: 2-3]. وبعد ذلك يقول لنا الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى ما يوضح لنا ويبين قضية العقيدة وموكب الرسالات في الأرض، بداية وتسلسلا وتتابعا في رسل متعاقبين، فقال الحق سبحانه: { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين... }.

[2.213]

Unknown page