287

فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بدلت. ولذلك يقول الحق في آية أخرى:

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا

[إبراهيم: 28] وما داموا قد بدلوها كفرا، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان. إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان، بالازدياد في التقرب إلى الله، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر. { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211] قد نفهم أن معنى " شديد العقاب " هو أمر يتعلق بالآخرة، ولعل أناسا يستبطئون الآخرة، أو أناسا غير مؤمنين بالآخرة، فلو كان الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقي الناس بمن لا يؤمنون بالآخرة.. أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فسادا لأنهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها، أو أنها لا تخطر ببالهم. فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتي وسيكون فيها حساب، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان. أما الذي لا يؤمن أن هناك يوما آخر فالدنيا تشقى به. فإذا لم يعجل الله بلون من العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقي الناس بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يستبطئون. وكل جماعة لا تقبل على منهج الله، ويبدلون نعمة الله كفرا لابد أن يكون لله فيهم عقاب عاجل، وذلك ليعلم الناس أن من لم يرتدع إيمانا وخوفا من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا. فالظالم إذا علم أن ظالما مثله لقي عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يظلم وإن لم يكن مؤمنا بالآخرة، لأنه سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة. ولذلك لا يؤجل الله العقاب كله إلى الآخرة ولكن ينزل بعضا منه في الدنيا. ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة الله كفرا:

وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار

[إبراهيم: 28-29]. هذه عقوبة الآخرة، ولن يتركهم الله في الدنيا دون أن ينالهم العقاب. وحتى الذين يظلمون ويتعسفون مع أنهم مسلمون لا يتركهم الله بلا عقاب في الدنيا حتى يأتيهم يوم القيامة بل لابد أن يجيء لهم من واقع دنياهم ما يخيف الناس من هذه الخواتيم حتى تستقيم حركة الحياة بين الناس جميعا، وإلا فسيكون الشقاء واقعا على الناس من هؤلاء ومن الذين لا يؤمنون بعقاب الآخرة. وكان بعض الصالحين يقول: " اللهم إن القوم قد استبطأوا آخرتك وغرهم حلمك فخذهم أخذ عزيز مقتدر " لأنه سبحانه لو ترك عقابهم للآخرة لفسدوا وكانوا فتنة لغيرهم من المؤمنين. ولذلك شاء الله أن يجعل في منهج الإيمان تجريما وعقوبة تقع في الدنيا، لماذا؟ حتى لا يستشري فساد من يشك في أمر الآخرة. وشدة عقاب الله لا يجعلها في الآخرة فقط، بل جعلها في الدنيا أيضا ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:

ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى

[طه: 124]. ثم يقول سبحانه وتعالى: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم... }.

[2.212]

يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين واقع الإنسان في الكون، هذا الواقع الذي يدل على أنه سيد ذلك الكون، ومعنى ذلك أن كل الأجناس تخدمه. وقد عرفنا أن الجماد يخدم النبات، والجماد والنبات يخدمان الحيوان، والجماد والنبات والحيوان تخدم الإنسان، فالإنسان سيد هذه الأجناس. وكان مقتضى العقل أن يبحث هذا السيد عن جنس أعلى منه، فكما كانت الأجناس التي دونه في خدمته، فلابد أن يكون هذا الجنس الأعلى يناسب سيادته، ولن يجد شيئا في الوجود أبدا أعلى من الجنس الذي ينتسب إليه، لذلك كان المفروض أن يقول الإنسان: أنا أريد جنسا ينبهني عن نفسي فأنا في أشد الاحتياج إليه. فإذا جاء الرسل وقالوا: إن الذي أعلى منك أيها الإنسان هو الله وليس كمثله شيء وتعالى عن كل الأجناس. كان يجب على الإنسان أن يقول: مرحبا لأن معرفة الله تحل له اللغز. والرسل إنما جاءوا ليحلوا للإنسان لغزا يبحث عنه، وكان على الإنسان أن يفرح بمجيء الرسل، وخصوصا أن الله عز وجل لا يريد خدمة منه، إن الإنسان هو الذي يحتاج لعبادة الله ليسخر له الكائنات، ويعبده ليعزه. إذن فالمؤمن بين أمرين: بين خادم له مسخر وهو من دونه من الجهاد والنبات والحيوان، ومعط متفضل عليه مختار وهو أعلى منه. إنه هو الله. فمن يأخذ واحدة ويترك واحدة فقد أخذ الأدنى وترك الأعلى، فيقول له الحق: خذ الأعلى. فإذا كنت سعيدا بعطاء المخلوقات الأدنى منك، وتحب أن تستزيد منها فكيف لا تستزيد ممن هو أعلى منك؟. إنه الله. والحق عندما يقول: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212] فهو يريد أن يلفتنا إلى أن مقاييس الكافرين مقاييس هابطة نازلة لأن الذي زين لهم هو الأمر الأدنى. ومن خيبة التقدير أن يأخذ الإنسان الأمر الأدنى ويفضله على الأعلى. وكلمة " زين " عندما تأتي في القرآن تكون مبنية لما لم يسم فاعله مثل قوله تعالى:

زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة..

Unknown page