286

إن ساعة يتجلى الحق، سيفاجئ الذين تصوروا الله على أية صورة، أنه سبحانه على غير ما تصوروا وسيأتيهم الله بحقيقة لم تكن في رءوسهم أبدا لأنه لو كانت صورة الحق في بال البشر لكان معنى ذلك أنهم أصبحوا قادرين على تصوره، وهو القادر لا ينقلب مقدورا عليه أبدا، ومن عظمته أن العقل لا يستطيع أن يتصوره ماديا. ولذلك ضرب الله لنا مثلا يقرب لنا المسألة، فقال:

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21]. إن الروح الموجودة في مملكة جسمنا والتي إذا خرجت من إنسان صار جيفة، وعاد بعد ذلك إلى عناصر تتحلل وأبخرة تتصاعد، وهذه الروح التي في داخل كل منا لم يستطع أحد تصورها، أو تحديد مكانها أو شكلها، هذه الروح المخلوقة لله لم نستطع أن نتصورها، فكيف نستطيع أن نتصور الخالق الأعظم؟ { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } [البقرة: 210] يعني بما لم يكن في حسبانهم. هل ينتظرون حتى يروا ذلك الكون المنسق البديع قد اندثر، والكون كله تبعثر، والشمس كورت والنجوم انكدرت، وكل شيء في الوجود تغير، وبعد ذلك يفاجأون بأنهم أمام ربهم. فماذا ينتظرون؟. إذن يجب أن ينتهزوا الفرصة قبل أن يأتي ذلك الأمر، وقبل أن تفلت الفرصة من أيديهم وينهي أمد رجوعهم إلى الله. لماذا يسوفون في أن يدخلوا في السلم كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ أينتظرون أن يتغير الله؟ أو أن يتغير منهج الله؟ إن ذلك لن يحدث. ونؤكد مرة أخرى أننا عندما نسمع شيئا يتعلق بالحق فيما يكون مثله في البشر فلنأخذه في إطار " ليس كمثله شيء ". فكما أنك آمنت بأن لله ذاتا لا كالذوات، فيجب أن تعلم أن لله صفات ليست كالصفات، وأن لله أفعالا ليست كالأفعال، فلا تجعل ذات الله مخالفة لذوات الناس ثم تأتي في الصفات التي قال الله فيها عن نفسه وتجعلها مثل صفات الناس، فإذا كان الله يجيء فلا تتصور مجيئه أنه سيترك مكانا إلى مكان، فهو سبحانه يكون في مكان بما لا يخلو عنه مكان، تلك هي العظمة. فإذا قيل: { إلا أن يأتيهم الله } [البقرة: 210] فلا تظن أن إتيانه كإتيانك لأن ذاته ليست كذاتك، ولأن الناس في اختلاف درجاتهم تختلف أفعالهم، فإذا كان الناس يختلفون في الأفعال باختلاف منازلهم، وفي الصفات باختلاف منازلهم، فالحق منزه عن كل شيء وكل تصور، ولنأخذ كل شيء يتعلق به في إطار " ليس كمثله شيء " ففعل ربك يختلف عن فعلك. وإياك أن تخضع فعله لقانون فعلك لأن فعلك يحتاج إلى علاج وإلى زمن يختلف باختلاف طاقتك وباختلاف قدرتك، والله لا يفعل الأشياء بعلاج بحيث تأخذ منه زمنا ولكنه يقول: " كن فيكون ".

كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول: ساعة يجيء الأمر انخلعت كل قدرة لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر لله وحده. و { في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]. فيه شيء يظلك وفيه شيء تستظل به، والشيء الذي يظلك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظلك إلا أن ترى أين ظله وتذهب إليه، وشيء آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد. وكلمة " ظلل " معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء ولذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال:

وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله..

[لقمان: 32]. أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطا بهم، فكأن الله يريد أن يخبرنا أن الكون سيندثر وسيأتيك الأمر المفزع، الأمر المفجع، والمؤمن كان يتوقعه، وسيدخل عليه بردا وسلاما لأنه ما آمن من أجله، لكن الكافر سيصاب بالفزع الأكبر لأنه فوجىء بشيء لم يكن في حسابه. وقارن بين مجيء الأمر لمن يؤمله، وبين مجيء الأمر لمن لا يؤمله. إن الحق سبحانه وتعالى قال: ساعة تجيء هذه الظلل والملائكة فقد قضى الأمر. وعندما تسمع " قضي الأمر " فاعلم أن المراد أن الفرصة أفلتت من أيدي الناس، فمن لم يرجع إلى ربه قبل الآن فليست له فرصة أن يرجع. ومثال ذلك ما قاله الحق في قصة نوح:

وقضي الأمر واستوت على الجودي..

[هود : 44]. أي انتهى كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما كانوا فيه فالله يقول: ماذا تنتظرون؟ هل تنتظرون حتى يأتيكم هذا اليوم؟ لابد أن تنتهزوا الفرصة لترجعوا إلى ربكم قبل أن تفلت منكم فرصة العودة. " وإلى الله ترجع الأمور " ، ومرة تأتي " وإلى الله ترجع الأمور ". وفيه فرق بين " ترجع الأمور " بفتح التاء وبين " ترجع الأمور " بضم التاء. فكأن الأمور مندفعة بذاتها، ومرة تساق إلى الله. إن الراغب سيرجع إلى ربه بنفسه لأنه ذاهب إلى الخير الذي ينتظره، أما غير الراغب والذي كان لا يرجو لقاء ربه فسيرجع بالرغم عنه، تأتي قوة أخرى ترجعه، فمن لم يجيء رغبا يأتي رهبا. ويقول الحق بعد ذلك: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله... }.

[2.211]

فكأن الله لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما أكرمهم به الله من خير سابق فساعة تقول: " اسأل فلانا عما فعلته معه " ، كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة، وأنه لن يجد جوابا إلا ما يؤيد قولك. والحق يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم. والحق سبحانه وتعالى يقول: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم } [البقرة: 211] ساعة تسمع " كم " في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف " كم " التي تريد بها الاستفهام. وأنت تقول: " كم فعلت كذا مع فلان " و " كم صنعت معه معروفا " و " كم تهاونت معه " و " كم أكرمته ". لذلك فعندما تسمع " كم " هذه فاعرف أن معناها الكمية الكثيرة التي يكنى بها على أن عددها لا يحصى. { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211] إن الحق يريد أن يضرب لنا مثلا كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك، ويشكوك إلى إنسان، فترد أنت لمن ينقل لك الشكوى: سله ماذا قدمت له من جميل ، أنا لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم. وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه لا يستطيع أن يغير شيئا. ألم يفلق لهم البحر؟. ألم يجعل عصا موسى حية؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المن والسلوى؟ كل ذلك أعطاه الله لهم فلم يشكروا نعمة الله، فحل عليهم غضبه أخذهم بالسنين والجوع وأخذهم بالقمل والضفادع والدم، كل ذلك فعله الله معهم.. وحين يقول الحق لرسوله: { سل بني إسرائيل } [البقرة: 211] فالقول منسحب على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءك واحد منهم فاسأله: كم آية أعطاها الله لكم فأنكرتموها، وتلكأتم. وتعنتم. { كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211] إن " كم " تدل على الكمية الكبيرة، و " من آية ": معناها الأمر العجيب. و " بينة " تعني الأمر الواضح الذي لا يمكن أن يغفل عنه أحد. { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]. وكيف يبدل الإنسان نعمة الله؟. إن نعمة الله حين تصيب خلقا فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها.

Unknown page