Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
هل فضل الرجل ذات الدين على سواها؟ أم فضل مقياسا آخر؟. وعندما جاء رجل ليخطب ابنة من أبيها هل وضع الأب مقاييس الإسلام في الاعتبار عند موافقته على هذا الزواج؟ هل فضلتم من ترضون دينه وخلقه؟ أم تركتم تلك القواعد. أنت تركت قواعد الإسلام، فلماذا تلوم الإسلام عند سوء النتائج والعواقب؟. إنك إن أردت أن تحاسب فلا بد أن تأخذ كل أمورك بمقاييس الإسلام، ثم تصرف بما يناسب الإسلام. فإن كنت كذلك فالإسلام يحميك من كل شيء. فالإسلام يساند القوى في الكون ويساند القوى في النفس بحيث تعيش في سلام ولا تتعاند لأن كل ذلك يقابله الحرب. والحرب إنما تنشأ من تعاند القوى، فتتعاند قوى نفسك في حرب مع نفسك، وتتعاند قوى البشر في حرب البشر مع البشر، وتتعاند قواك مع قوى الكون الأخرى ، فأنت تعاند الطبيعة وتعاند مع الحق سبحانه وتعالى. إذن فالتعاند ينشأ منه الحرب، والحرب لا تنشأ إلا إذا اختلفت الأهواء.
وأهواء البشر لا يمكن أن تلتقي إلا عندما تكون محروسة بقيم من لا هوى له، ولذلك يقول الله عز وجل:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن..
[المؤمنون: 71]. لماذا؟. دعك من الكون الأصم حولك، أو دعك من الكون الذي لا اختيار له في أن يفعل أو ينفعل لك فهو فاعل أو منفعل لك بدون اختيار منه، ولكن انظر إلى البشر من جنسك، فما الذي يجعل هوى إنسان يسيطر على أهواء غيره؟. ما الذي زاده ذلك الإنسان حتى تكون أنت تابعا له؟ أو يكون تابعا لك؟. وفي قانون التبعية لا يمكن إلا أن يكون التابع مؤمنا بأن المتبوع أعلى منه، ولا يمكن لبشر أن توجد عنده هذه الفوقية أبدا. لذلك لابد للبشر جميعا أن يكونوا تبعا لقوة آمنوا بأنها فوقهم جميعا. فحين نؤمن ندخل في السلم، ولا يوجد تعاند بين أي قوى وقوة أخرى لأني لست خاضعا لك، وأنت لست خاضعا لي، وأنا وأنت مسلمون لقوة أعلى مني ومنك، ويشترط في القوة التي نتبعها طائعين ألا يكون لها مصلحة فيما تشرع. إن المشرعين من البشر يراعون مصالحهم حين يشرعون، فمشرع الشيوعية يضع تشريعه ضد الرأسمالية، ومشرع الرأسمالية يضع تشريعه ضد الشيوعية، لكن عندما يكون المشرع غير منتفع بما يشرع، فهذا هو تشريع الحق سبحانه وتعالى. وحين ندخل في الإسلام ندخل جميعا لا يشذ منا أحد، ذلك معنى { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، هذا معنى وارد، وهناك معنى آخر وارد أيضا وهو ادخلوا في السلم أي الإسلام بجميع تكاليفه بحيث لا تتركوا تكليفا يشذ منكم. وحين يأتي المعنى الأول فلأننا لو لم ندخل في السلم جميعا لشقي الذين يسلمون بالذين لا يسلمون لأن الذي يسلم سيهذب سلوكه بالنسبة للآخرين، ويكون نفع المسلم لسواه، ويشقى المسلم بعد إسلام من لم يسلم، فمن مصلحتنا جميعا أن نكون جميعا مسلمين. والذين لا يدركون هذه الحقيقة يفسرون قول الله تعالى:
لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..
[المائدة: 105]. على غير ظاهرها، فمن ضمن هدايتكم أن تبصروا من لم يؤمن بأن يؤمن لأن مصلحتكم أن تسلموا جميعا، فإذا أسلمت أنت فسيعود إسلامك على الغير لأن سلوكك سيصبح مستقيما مهذبا، والذي لم يسلم سيصبح سلوكه غير مستقيم وغير مهذب، وستشقى أنت به. إذن فمن مصلحتك أن تقضي وقتا طويلا وتتحمل عناء كبيرا في أن تدعو غيرك ليدخل في الإسلام. وإياك أن تقول: إن ذلك يضيع عليك فرص الحياة. لا إنه يضمن لك فرص الحياة، ولن يضيع وقتك لأنك ستحمي نفسك من شرور غير المسلم. وأذكر جيدا أننا حين تكلمنا في فاتحة الكتاب قلنا: إن الله يعلمنا أن نقول: " إياك نعبد " فكلنا يارب نعبدك وسنسعد جميعنا بذلك، واهدنا كلنا يارب لأنك إن هديتني وحدي فسيستمتع غيري بهدايتك لي، وأنا سوف أشقى بضلاله.
فمن مصلحتنا جميعا أن نكون مهديين جميعا. هذا على معنى { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208] أي جميعا. أما معنى قوله تعالى:
لا يضركم من ضل إذا اهتديتم
[المائدة: 105] أي لا تتحملون أوزار ضلالهم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. أما المعنى الثاني فادخلوا في السلم بحيث لا يشذ منكم أحد. ويأخذ شيئا وبعضا من الإسلام ويترك بعضا منه، فأنت تريد أن تبني حياتك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح أن للإسلام أسسا هي الأركان الخمسة، وإياك أن تأخذ ثلاثة أركان وتترك ركنين لأن هندسة الإسلام مبنية على خمسة أركان. وقد قال لي أحد المهندسين: إننا نستطيع أن ننشئ بنيانا على ثلاثة أركان أو على أربعة أو خمسة. فقلت له: ولكن حين تجعل البنيان على أربعة أركان، وتوزع الأحمال والأثقال على أربعة أسس، هل يمكنك حين تنشئ أن تجعلها ثلاثة أركان فقط؟. قال: لا. قلت: إذن فالبناء إنما ينشأ من البداية على الأسس التي تريدها، ولذلك فأنت توزع القوى على ثلاثة أو أربعة أو خمسة من البداية. والله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل أسس الإسلام خمسة ، وبعد ذلك يبنى الإسلام، وحين يبنى الإسلام فإياك أن تأخذ لبنة من الإسلام دون لبنة، بل يؤخذ الإسلام كله، فالضرر الواقع في العالم الإسلامي إنما هو ناتج من التلفيقات التي تحدث في العالم المسلم. تلك التلفيقات التي تحاول أن تأخذ بعضا من الإسلام وتترك بعضا، وهذا هو السبب في التعب والضرر لأن الإسلام لابد أن يؤخذ كله مرة واحدة. إذن { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208] يعني إياكم أن تتركوا حكما من الأحكام. إن الذي يتعب المنتسبين إلى الدين الآن أننا نريد أن نلفق حياة إسلامية في بلاد تأخذ قوانينها من بلاد غير إسلامية. إذن حتى ننجح في حياتنا، فلابد أن نأخذ الإسلام كله. وللأسف فإن كثيرا من حكام البلاد المسلمة لا يأخذون من الإسلام إلا آخر قول الله تعالى:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
Unknown page