Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[النساء: 59] إنهم يأخذون
وأولي الأمر منكم
[النساء: 59] ويتركون
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء: 59]. وأقوال: لماذا تأخذون الأخيرة وتتركون ما قبلها؟ إن الله لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة بل قال:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
[النساء: 59] ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة الرسول. فنحن لا نريد تلفيقا في الإسلام، خذوه كاملا، تستريحوا أنتم ونستريح نحن معكم. إن الحق سبحانه وتعالى يريد بدعوتنا إلى دخول الإسلام أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم فخفف ورفع عن خلقه ما يمكن أن يختلفوا فيه، وتركهم أحرارا في أن يزاولوا مهمة استنباط أسرار الله في وجوده بالعلم التجريبي كما يحبون، فإن أرادوا رقيا فليعملوا عقولهم المخلوقة لله في الكون المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله ليسعدوا أنفسهم ويدفعوها إلى الرقي، وإن انتهى أحد منهم إلى قضية كونية، واكتشف سرا من الأسرار في الكون فهو لن يقدم للناس جديدا في المنهج، وسيأخذ الناس هذا الجديد ولا يعارضونه.
إذن فمن الممكن أن يستنبط العلماء بعضا من أسرار قضايا الكون المادية بوساطة العلم التجريبي، وهي أمور سيتفق عليها الناس، ولكن البشر يمكن أن يختلفوا في الأمور النابعة من أهوائهم لأن لكل واحد هوى، وكل واحد يريد أن يتبع هواه ولا يتبع هوى الآخرين، والحق سبحانه يريد أن يعصمنا من الأهواء لذلك قال لنا: { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208] أي ادخلوا في كل صور الإسلام، حتى لا يأتي تناقض الأهواء في المجتمع. وكن أيها المؤمن في سلم مع نفسك فلا يتناقض لسانك مع ما في قلبك، فلا تكن مؤمن اللسان كافر القلب. كن منسجما مع نفسك حتى لا تعاني من صراع الملكات. وأيضا كن داخلا في السلام مع الكون الذي تعيش فيه، مع السماء، مع الأرض، مع الحيوان، مع النبات. كن في سلم مع كل تلك المخلوقات لأنها مخلوقة مسخرة طائعة لله، فلا تشذ أنت لتغضبها وتحفظها عليك. كن منسجما مع الزمن أيضا، لأن الزمن الذي يحدث فيه منك ما يخالف منهج الله سيلعنك هو والمكان، وإذا أردت أن تشيع سلامك في الكون فعليك كما علمك الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسالم كل الكون، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشيع السلام في الزمان والمكان، وعلى سبيل المثال كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس صياما في شعبان، ولما سأله الصحابة عن هذا أخبرهم أن شعبان شهر يهمله الناس لأنه بين رجب، - وهو من الأشهر الحرم الأربعة - وبين رمضان، فأحب أن يحيى ذلك الشهر الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لونا من العبادة فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى. كذلك الأمكنة تريد أن تسعد بك، فكل الأماكن تسعد بذكر الله فيها. والحق - سبحانه - بعد أن أمرنا جميعا بالدخول في السلم بافعل ولا تفعل، حذرنا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله فقال جل شأنه: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } [البقرة: 208]. ولماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟ لأن عداوته للإنسان عداوة مسبقة، وقف من آدم هذا الموقف، وبعد ذلك أقسم بعزة الله أن يغويكم جميعا، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة، أي أن الشيطان لم يفاجئنا.
وإنما وضع الحق أمامنا قصة الشيطان مع آدم واضحة جلية ليعطينا المناعة، بدليل أننا حين نريد أن نصون أجسامنا نجعل لأنفسنا مناعة قبل أن يأتي المرض، نطعم أنفسنا ضد شلل الأطفال، وضد الكوليرا، وضد كذا، وكذا، فكأن الله سبحانه وتعالى يذكر قصة الشيطان مع أبينا آدم ليقول لنا: لاحظوا أن عداوته مسبقة. وما دام له معكم عداوة مسبقة فلن يأخذكم على غرة لأن الله نبهكم لتلك المسألة مع الخلق الأول. والشيطان عندما يذكر في القرآن يراد به مرة عاصي الجن، لأن طائع الجن مثل طائع البشر تماما، ومرة يريد به شياطين الإنس. إذن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين. وحتى تستطيع أن تفرق بين ما يزينه الشيطان وبين ما تزينه لك نفسك، فإن رأيت نفسك مصرا على معصية من لون واحد فاعلم أن السبب هو نفسك، لأن النفس تريدك عاصيا من لون يشبع نقصا فيها فهي تصر عليه: إنسان يحب المال فتتسلط عليه نفسه من جهة المال، وإنسان آخر يحب الجنس فتتسلط عليه نفسه من جهة النساء، وثالث يحب الفخر والمديح فتتسلط عليه نفسه من جهة من ينافقه. لكن الشيطان لا يصر على معصية بعينها، فإن رآك قد امتنعت عن معصية فهو يزين لك معصية أخرى لأنه يريدك عاصيا على أية جهة. والحق يحذرنا { ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } [البقرة: 208]. وليس هناك عداوة أوضح من عداوة الشيطان بعد أن وقف من آدم وقال ما أورده الحق على لسانه:
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين
Unknown page