281

على أي جنب كان في الله مصرعي

وكان ذلك آخر ما قاله. ويقول الحق: { والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207] وما العلاقة بين ما سبق وبين رءوف بالعباد؟ ما دام الله رءوفا بالعباد فلم يشأ الله أن يجعل ذلك أمرا كليا في كل مسلم، وإنما جعلها فلتات لتثبت صدق القضية الإيمانية، لأنه لا يريد أن يضحي كل المسلمين بأنفسهم، وإنما يريد أن يستبقي منا أناسا يحملون الدعوة. وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى أصناف الناس الذين يستقبلون الدعوة كفرا ونفاقا، ومن يقابلهم ممن يستقبلونها إيمانا خالصا، نادى جميع المؤمنين فقال: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات... }.

[2.208]

تبدأ الآية بنداء الذين آمنوا بالله وكأنه يقول لهم: يا من آمنتم بي استمعوا لحديثي. فلم يكلف الله من لم يؤمن به وإنما خاطب الذين أحبوه وآمنوا به، وما داموا قد أحبوا الله فلابد أن يتجه كل مؤمن إلى من يحبه لأن الله لن يعطيه إلا ما يسعده. إذن فالتكليف من الله إسعاد لمن أحب، { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، وكلمة " في " تفيد الظرفية، ومعنى الظرفية أن شيئا يحتوي شيئا، مثال ذلك الكوب الذي يحتوي الماء فنقول: " الماء في الكوب " ، وكذلك المسجد يحتوي المصلين فنقول: " المصلون في المسجد ". والظرفية تدل على إحاطة الظرف بالمظروف، وما دام الظرف قد أحاط بالمظروف، إذن فلا جهة يفلت منها المظروف من الظرف. ولذلك يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة التمكن من مسألة الظرفية عندما يقول:

ولأصلبنكم في جذوع النخل..

[طه: 71]. إن الصلب دائما يكون على شيء، وتشاء الآية الكريمة أن تشرح لنا كيف يمكن أن يكون الصلب متمكنا من المصلوب. فأنت إذا أردت أن تصلب شيئا على شيء فأنت تربطه على المصلوب عليه، فإذا ما بالغت في ربطه كأنك أدخلت المصلوب داخل المصلوب عليه. ومثال ذلك، هات عود كبريت وضعه على إصبعك ثم اربطه بخيط ربطا جيدا، ستلاحظ أن العود قد غاص في جلدك. والحق يقول: { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208] والسلم والسلم والسلم هو الإسلام، فالمادة كلها واحدة لأن السلم ضد الحرب، والإسلام جاء لينهي الحرب بينك وبين الكون الذي تعيش فيه لصالحك ولصالح الكون ولتكون في سلام مع الله وفي سلام مع الكون، وفي سلام مع الناس. وفي سلام مع نفسك. قوله: { ادخلوا في السلم } [البقرة: 208] معناه حتى يكتنفكم السلم. إن الله هو الإله الخالق للكون ولابد أن تعيشوا في سلام معه لأنكم لا تؤمنون إلا به إلها واحدا. فيجب علينا أن نعيش مع الأرض والسماء والكون في سلام لأن الكون الخاضع المقهور المسخر الذي لا يملك أن يخرج عما رسم له يعمل لخدمتك ولا يعاندك. والإنسان حين يكون طائعا يسر به كل شيء في الوجود لأن الوجود طائع ومسبح، فساعة يجد الإنسان مسبحا مثله يسر به لأنه في سلام مع الكون. وأنت في سلام مع نفسك لأن لك إرادة، وهذه الإرادة قهر الله لها كل جوارحك، والذي تريده من أي عضو يفعله لك، لكن هل يرضى أي عضو عما تأمره به؟ تلك مسألة أخرى، مثلا، لسانك ينفعل بإرادتك، فتقول به: " لا إله إلا الله " وقال به غيرنا من المشركين غير ذلك، وأشركوا مع الله بشرا وغير بشر يعبدونهم وقال الملحدون بألسنتهم والعياذ بالله: " لا إله في الكون " ولم يعص اللسان أحدا من هؤلاء لأنه مقهور لإرادتهم.

وتنتهي إرادة الإنسان على لسانه وعلى جميع جوارحه يوم القيامة فيشهد عليه كما تشهد عليه سائر أعضائه: الأرجل، والأيدي، والعيون، والآذان، وكل عضو يقر بما كان يفعل به، لأنه لا سيطرة للإنسان على تلك الأبعاض في هذا اليوم. إنما السيطرة كلها للخالق الأعلى.

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. والحق حين ينادي المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة فالمعنى يحتمل أيضا أن الحق سبحانه وتعالى يخاطب المسلمين ألا يأخذوا بعضا من الدين، ويتركوا البعض الآخر، فيقول لهم: خذوا الإسلام كله وطبقوه كاملا لأن الإسلام يمثل بناء له أسس معلومة، وقواعد واضحة، فلا يحاول أحد أن يأخذ شيئا من حكم بعيدا عن حكم آخر، وإلا لحدث الخلل. وعلى سبيل المثال قد تجد خلافا بين الزوج والزوجة، وقد يؤدي الخلاف إلى معارك وطلاق، وبعد ذلك نجد من يتهم الإسلام بأنه أعطى الرجل سيفا مسلطا على المرأة. ونقول لهم: ولماذا تتهمون الإسلام؟ هل دخلت على الزواج بمنطق الإسلام؟. إن كنت قد دخلت على الزواج بمنطق الإسلام فستجد القواعد المنظمة والتي تحفظ للمرأة كرامتها، ولكن هناك من يدخل على الزواج بغير منطق الإسلام، فلما وقع في الأزمة راح ينادي الإسلام. هل اختار الرجل من تشاركه حياته بمقياس الدين؟ وهل وضع نصب عينيه شروط اختيار الزوجة الصالحة التي جاءت في الحديث الشريف: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ".

Unknown page