Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[2.206]
ولا يقال له اتق الله إلا إذا كان قد عرف أنه منافق، وما داموا قد قالوا له ذلك فهذا دليل على أن فطنتهم لم يجز عليها هذا النفاق. ونفهم من هذه الآية أن المؤمن كيس فطن، ولابد أن ينظر إلى الأشياء بمعيار اليقظة العقلية، ولا يدع نفسه لمجرد الصفاء الرباني ليعطيه القضية، بل يريد الله أن يكون لكل مؤمن ذاتية وكياسة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206] فكأن المظهر الذي يقول أو يفعل به، ينافي التقوى لأنه قول معجب لا ينسجم مع باطن غير معجب، صحيح أنه يصلي في الصف الأول، ويتحمس لقضايا الدين، ويقول القول الجميل الذي يعجب النبي صلى الله عليه وسلم ويعجب المؤمنين، لكنه سلوك وقول صادر عن نية فاسدة. ومعنى " اتق الله " أي ليكن ظاهرك موافقا لباطنك، فلا يكفي أن تقول قولا يعجب، ولا يكفي أن تفعل فعلا يروق الغير لأن الله يحب أن يكون القول منسجما مع الفعل، وأن يكون فعل الجوارح منسجما مع نيات القلب. إذن، فالمؤمن لابد وأن تكون عنده فطنة، وذكاء، وألمعية، ويرى تصرفات المقابل، فلا يأخذ بظاهر الأمر. ولا بمعسول القول ولا بالفعل، إن لم يصادف فيه انسجام فعل مع انسجام نية. ولا يكتفي بأن يعرف ذلك وإنما لابد أن يقول للمنافق حقيقة ما يراه حتى يقصر على المنافق أمد النفاق، لأنه عندما يقول له: " اتق الله " يفهم المنافق أن نفاقه قد انكشف، ولعله بعد ذلك يرتدع عن النفاق، وفي ذلك رحمة من المؤمن بالمنافق. وكل من يرى ويلمح بذكائه نفاقا من أحد هنا يقول له: " اتق الله " فالمراد أن يفضح نفاقه ويقول له: " اتق الله ". فإذا قال له واحد: " اتق الله " وقال له آخر: " اتق الله " ، وثالث، ورابع، فسيعرف تماما أن نفاقه قد انكشف، ولم يعد كلامه يعجب الناس. { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، وتقييد العزة بالإثم هنا يفيد أن العزة قد تكون بغير إثم، وما دام الله قد قال: { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، فهناك إذن عزة بغير إثم. نعم، لأن العزة مطلوبة للمؤمن والله عز وجل حكم بالعزة لنفسه وللرسول وللمؤمنين:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..
[المنافقون: 8]. وهذه عزة بالحق وليست بالإثم. وما الفرق بين العزة بالحق وبين العزة بالإثم؟ ولنستعرض القرآن الكريم لنعرف الفرق. ألم يقل سحرة فرعون: فيما حكاه الله عنهم:
بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
[الشعراء: 44]. هذه عزة بالإثم والكذب. وكذلك قوله تعالى:
بل الذين كفروا في عزة وشقاق
[ص: 2]. وهي عزة كاذبة أيضا أما قوله عز وجل:
سبحان ربك رب العزة عما يصفون
[الصافات: 180]. فتلك هي العزة الحقيقة، إذن فالعزة هي القوة التي تغلب، ولا يغلبها أحد. أما العزة بالإثم فهي أنفة الكبرياء المقرونة بالذنب والمعصية. والحق سبحانه وتعالى يقول لكل من يريد هذا اللون من العزة بالإثم: إن كانت عندك عزة فلن يقوى عليك أحد، ولكن يا سحرة فرعون يا من قلتم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، أنتم الذين خررتم سجدا لموسى وقلتم:
Unknown page