277

[الأنبياء: 78]. فالحرث في الآية معناه: الزرع، والزرع ناتج عن إثارة الأرض وإهاجتها. وعملك يا أيها الإنسان أن تهيج الأرض وتثيرها، وتأتي بالبذر الذي خلقه الله في الأرض التي خلقها الله، وتسقيها بالماء الذي خلقه الله، وتكبر في الهواء الذي خلقه الله، ولذلك يلفتنا وينبهنا الحق - سبحانه - فيقول:

أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

[الواقعة: 63-64]. والمعنى الثاني: يطلق الحرث على المرأة في قوله تعالى:

نسآؤكم حرث لكم..

[البقرة: 223]. وإذا كان حرث الزرع هدفه إيجاد النبات فكذلك المرأة حتى تلد الأولاد. ويقول سبحانه وتعالى:

فأتوا حرثكم أنى شئتم..

[البقرة: 223]. وأراد المتحللون الإباحيون أن يطلقوا إتيان المرأة في جميع جسدها، ونقول لهم: لاحظوا قوله: " حرثكم " والحرث محل الإنبات، فالإتيان يكون في محل الإنبات فقط، لا تفهمها تعميما وإنما هي تخصيص. ويتابع الحق وصف الذي يقول القول الحسن، ولكن يسعى في الأرض بالفساد فيقول: { ويهلك الحرث والنسل } [البقرة: 205]. والنسل هو الأنجال والذرية. ويذيل الحق الآية: { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205] أي أن الحق يريد منكم إن لم تدخلوا بطاقة الله التي خلقها لكم فكرا وعطاء، فعلى الأقل اتركوا المسألة كما خلقها الله لأن الله لا يحب أن تفسدوا فيما خلقه صالحا في ذاته. وما سبق في هذه الآية هو مجرد صورة من صور استقبال الدعوة الإسلامية في أول عهدها، من الذين كانوا ينافقون واقعها القوي، فيأتون بأقوال تعجب، وبأفعال تعجب من ينافق. ونعرف أن النفاق كان دليلا على قوة المسلمين، ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما نشأ في المدينة. فقد قال الحق:

ومن أهل المدينة مردوا على النفاق..

[التوبة: 101]. وربما يتساءل إنسان: وكيف تظهر هذه الظاهرة في البيئة الإيمانية القوية في المدينة؟ ونقول: لأن الإسلام في مكة كان ضعيفا، والضعيف لا ينافقه أحد، والإسلام في المدينة أصبح قويا، والقوي هو الذي ينافقه الناس. إذن، فوجود النفاق في المدينة كان ظاهرة صحية تدل على أن الإيمان أصبح قويا بحيث يدعيه من ليس عنده إسلام.

وهؤلاء كانوا يقولون قولا حسنا جميلا، وقد يفعلون أمام من ينافقونه فعلا يعجب من يراهم أو يسمعهم، ولكنهم لا يثبتون على الحق، فإذا ما تولوا، أي اختفوا عن أنظار من ينافقونه رجعوا إلى أصلهم الكفري، أو إذا ائتمنوا على شيء فهم يسعون في الأرض فسادا. والآية هنا تتعرض لشيء يدل على فطنة المؤمنين، إن الآية فضحت من نافق وكان الأخنس عمدة في النفاق، وفضيحة المنافق بهذه الصورة، تدل على أن وراء محمد صلى الله عليه وسلم ووراء المؤمنين بمحمد، ربا يخبرهم بمن يدلس عليهم، وأيضا ينبههم لضرورة أن تكون لهم فطنة بدليل قول الحق: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة... }.

Unknown page