Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
من الخوف حال المجمعين على الحمد
أي لو تكاشفنا لقلنا كلنا ذما، إنما كلنا مداحون حين يلقى بعضنا بعضا كل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. و " يعجبك قوله " فهل الممنوع أن يعجبك القول؟ لا، يعجبني القول ولكن في غير الحياة الدنيا، فالقول الذي يعجب هو ما يتعلق بأمر الحياة الآخرة الباقية ليضمن لنا الخير عند من يملك كل الخير. وكفى بالذي يسمع من مادح له مدحا، والمادح نفسه يضمر في قلبه كرها له، وكفى بذلك شهادة تغفيل للممدوح، بأنه يقول بينه وبين نفسه: " إن الممدوح غبي لأني أمدحه وهو مصدق مدحي له ". إن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى ضرورة أن يكون المسلم يقظا وفطنا، ومن يقول لنا كلاما يعجبنا في الحياة الدنيا نتهمه بأن كلامه ليس حسنا لأن خير الكلام هو ما يكون في الأمر الباقي. ولذلك عندما أرسل خليفة المسلمين للإمام جعفر الصادق يقول له: - لماذا لا تغشانا - أي لا تزورنا - كما يغشانا الناس؟ فكتب الإمام جعفر الصادق للخليفة يقول: أما بعد فليس عندي من الدنيا ما أخاف عليه، وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له.
وكأنه يريد أن يقول له اتركنا وحالنا أنت محتاج لمن يجلس معك ويمدحك، وأنت لا تعلم أن أول أناس لهم رأي سيىء فيك هم من يمدحونك. { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } [البقرة: 204] وهذه الآية نزلت في الأخنس ابن شريق الثقفي واسمه أبي ولقب بالأخنس لأنه خنس ورجع يوم بدر فلم يقاتل المسلمين مع قريش واعتذر لهم بأن العير قد نجت من المسلمين وعادت إليهم، وكان ساعة يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر إسلامه ويلين القول للرسول ويدعي أنه يحبه، ولكنه بعد أن خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بزرع وحمر لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر. والآية وإن نزلت في الأخنس فهي تشمل كل منافق. { ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام } [البقرة: 204] لا تقولوا: " الله يشهد " ، وإنما هاتوا شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم لأن معنى " الله يشهد " هو إخبار منك بأن الله يشهد لك. وأنت كاذب في هذه، وتريد أن تضفي المصداقية على كذبك بإقحام الله في المسألة. وساعة تسمع واحدا يقول لك: أشهد الله على أني كذا، فقل له: هذا إخبار منك بأن الله يشهد، وأنت قد تكذب في هذا الخبر، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم الله في هذه الشهادة. { ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام } [البقرة: 204] وألد الخصام هو الفاسق في معصيته، ويقال: فلان عنده لدد أي له فسق في خصومته، ويجادل بالباطل. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" إن أبغض الرجال إلى الله هو الألد الخصم ".
يعني المجادل بالباطل الذي عنده قسوة في المعصية، فهو عاص وفي الوقت نفسه قاس في معصيته. ولماذا هو ألد الخصام؟ لأن الذي يجابهك بالأمر يجعلك تحتاط له، أما الذي يقابلك بنفاق فهو الذي يريد أن يخدعك، وهذا عنف في الخصومة فالخصم الواضح أفضل لأنه يواجهك بما في باطنه، لكن إذا جابهت الذي يبطن خصومته ويظهر محبته يكون قاسيا عليك في خصومته لأنه يريد أن يخدعك ويبيت لك. { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } [البقرة: 205] و " تولى ": انصرف أي يقول لك ما يعجبك، فإذا تولى عنك نقل المسألة إلى الحقيقة بإظهار ما كان يخفيه، ويحتمل المعنى أنه إذا تولى شيئا آخر، من الولاية، ففيه " تولى " من التولي وهو الانصراف والإعراض، وفيه " تولى " من الولاية.
{ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } [البقرة: 205] كانت الأرض بدون تدخل البشر مخلوقة على هيئة الصلاح، والفساد أمر طارئ من البشر. ونعرف أن الفساد لم يطرأ على أي أمر إلا وللإنسان فيه دخل. لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك أزمة هواء؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه، وبمقدار تدخل الإنسان يكون الفساد. لقد تدخلنا قليلا في المياه فجاء في ذلك فساد، فلم نحسن نقلها في مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة، أو زاد عليها الكلور أو نقص. وبقدر ما يكون التدخل يكون الإفساد، أما في الزمن القديم فقد كان الإنسان يذهب إلى مصدر الماء المباشر في الآبار ويأخذ الماء الطبيعي الذي خلقه الله بلا تدخل من الإنسان ولم يكن تلوث أو غيره. إذن على مقدار وجود الإنسان في حركة الحياة غير المرشدة بالإيمان بالله ينشأ الفساد، ولذلك كان لابد له من منهج سماوي للإنسان. والكائنات غير الإنسان ليس لها منهج وهي مخلوقة بالغريزة وتؤدي مهمتها فقط فالدابة لم تمتنع يوما عن ركوبك عليها، ولم تمتنع أن تحمل عليها أثقالك، أو تستعين بها في الحرث، أو الري، حتى عندما تذبحها لا تمتنع عليك، لماذا؟ لأنها مخلوقة بالغريزة التي تؤدي بها الحركة النافعة بدون اختيار منها. وإذا امتنعت في وقت فإنما يكون ذلك لأمر طارئ كمرض مثلا. لكن الذي له اختيار لابد أن يكون له منهج يقول له: افعل هذا ولا تفعل تلك. فإن استقام مع المنهج في " افعل " و " لا تفعل " سارت حياته بشكل متوازن، لكن إذا لم يستقم تفسد الحياة. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } [البقرة: 205]، كأن الإفساد هو الذي يحتاج إلى عمل، اترك الطبيعة والمخلوقات كما هي تجدها تعمل في انضباط وكمال على ما يرام. إذن فالفساد طارئ من الإنسان الذي يحيا بلا منهج لأنه " إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها " فكأن الأصل في الأرض وما فيها جاء على هيئة الصلاح، فإن لم تزد الصالح صلاحا فلا تحاول أن تفسده. قال تعالى:
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون
[البقرة: 11-12]. ومن هنا نفهم أنهم ظنوا أن الأرض تحتاج إلى حركتهم لإصلاحها، برغم أن الأرض بدون حركتهم صالحة لأنهم لا يتحركون بمنهج الله. إذن هذه الآية نفهم منها أن الإنسان إذا " تولى " بمعنى رجع أو تولى ولاية سعى في الأرض ليفسد فيها فكأن الفساد في الأرض أمر طارئ وينتج من سعي الإنسان على غير منهج من الله. وما دام للإنسان اختيار فيجب أن يكون له منهج أعلى منه يصون ذلك الاختيار، فإن لم يكن له منهج وسار على هواه فهو مفسد لا محالة.
وانظر إلى غباء الذي يفسد في الأرض، هل يظن أنه هو وحده الذي سيستفيد في الأرض، فأباح لنفسه أن يفسد في الأرض لغيره؟ إنه ينسى الحقيقة، فكما يفسد لغيره، فغيره يفسد له، فمن الخاسر؟ كلنا سنخسر إذن. { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل.. } [البقرة: 205]. والحرث له معنيان: فمرة يطلق على الزرع، ومرة يطلق على النساء، المعنى الأول ورد في قوله تعالى:
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم..
Unknown page