Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[مريم: 71]. ومعناها أن كل إنسان سيرى النار إما وهو في طريقه للجنة، فيقول: الحمد لله، الإيمان أنجاني من هذه النار وعذابها. فهو عندما يرى النار وبشاعة منظرها يحمد الله على نعمة الإسلام. التي أنجته من النار. فإذا ما دخل الجنة ورأى نعيمها يحمد الله مرة ثانية. وكذلك يرى النار من هو من أهل الأعراف أي لا في النار ولا في الجنة، يقول الحق:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..
[آل عمران: 185]. ويقول الحق من بعد ذلك: { أولئك لهم نصيب مما كسبوا... }.
[2.202]
والنصيب هو الحظ، وأما " مما كسبوا " فنعرف من قبل أن فيه " كسب " وفيه " اكتساب ". والاكتساب فيه افتعال، إنما الكسب هو أمر عادي، ولذلك تجد أن الاكتساب لا يكون إلا في الشر كأن الذي يفعل الشر يتكلف فيه، لكن من يفعل الخير فذلك أمر طبيعي من الإنسان. والمقصود ب " مما كسبوا " هنا هو الكسب من استيفاء أعمالهم التي فعلوها في الحج إحراما، وتلبية. وطوافا، وسعيا، وذهابا إلى " منى " ، وذهابا إلى " عرفات " ووقوفا بها، وإفاضة إلى " مزدلفة " ، ورميا للجمار. في " منى " ، وطواف إفاضة، وكل هذا كسب للإنسان الذي نال شرف الحج. وعندما نقرأ: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202] فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن الحدث، فبدلا من أن يأخذ الحدث منك ساعة، قد تنهيه في نصف ساعة، وكل حدث له زمن،والحدث حين يكون له زمن وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد أن تسرع فيه حتى تنجزه في أقل وقت. وتقليل الزمن يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك في الأفعال العلاجية التي تحتاج معالجة، وعملا من الإنسان، لكن سبحانه يفعل ب " كن " ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، إذن فهو سريع الحساب لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث لأن الحادث عندما يؤدي عملا، فهذا العمل يشغله عن غيره من الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي عملين في وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ما يريد وقتما يريد ولكل من يريد. ولذلك سئل الإمام علي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله الخلائق جميعا في لحظة واحدة؟. فقال: " كما يرزقهم في ساعة واحدة ". فهو سبحانه الذي يرزقهم، وكما يرزقهم يحاسبهم. ويقول الحق من بعد ذلك: { واذكروا الله في أيام معدودات... }.
[2.203]
ونلاحظ أن ذكر الله أمر شائع في جميع المناسك، و " في أيام معدودات " أي في أيام التشريق. وفي اليوم التاسع نكون في عرفة وليلة العاشر نبيت فيها ب " مزدلفة " ، ثم بعد ذلك نفيض من حيث أفاض الناس، نذهب لرمي جمرة العقبة، وبعضنا يذهب ليطوف طواف الإفاضة وينهي مناسكه، أو قد يذهب ليذبح ويتحلل التحلل الأصغر، إن لم يكن معه امرأة، وإن طاف فهو يتحلل التحلل الأكبر. أما الأيام المعدودات أي أيام التشريق فهي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر. وقد سميت بذلك نسبة إلى الشروق، والشروق خاص بالشمس، كانوا قديما إذا ما ذبحوا ذبائحهم أخذوا اللحم وشرقوه، أي عرضوه لمطلع الشمس كلون من الحفظ، ومن هنا سميت هذه الأيام بأيام التشريق. وعندما نسمع قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203] نفهم منها أنها فوق يومين. وبعد ذلك يقول الحق: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]. قول الحق سبحانه وتعالى: { في أيام معدودات } [البقرة: 203] ثم قوله: { فمن تعجل في يومين } [البقرة: 203] يدل على أن كلمة " أيام " تطلق على الجمع وهو الأكثر من يومين، أي ثلاثة أيام، لكن الحق سبحانه وتعالى جعل للقيام بيومين حكم القيام بالثلاثة، فإن تعجلت في يومين فلا إثم عليك ومن قضى ثلاثة أيام فلا إثم عليه كيف يكون ذلك؟. لأن المسألة ليست زمنا، ولكنها استحضار نية تعبدية، فقد تجلس ثلاثة أيام وأنت غير مستحضر النية التعبدية لذلك قال سبحانه: { لمن اتقى } [البقرة: 203]، فإياك أن تقارن الأفعال بزمنها، وإنما هي بإخلاص النية والتقوى فيها. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: { واتقوا الله واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]. وقد جاء سبحانه وتعالى بكلمة " تحشرون " لتناسب زحمة الحج لأنه كما حشركم هذا الحشر وأنتم لكم اختيار، هو سبحانه القادر أن يحشركم وليس لكم اختيار. فإذا كنتم قد ذهبت باختيارك إلى هذا الحشر البشري الكبير في الحج فاعرف أن الذي كلفك بأن تذهب باختيارك لتشارك في هذا الاجتماع الحاشد هو القادر على أن يأتي بك وقد سلب منك الاختيار. ويقول الحق من بعد ذلك: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله... }.
[2.204-205]
يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية، وهذه القضية الوجودية هي أن كل عمل له ظاهر وله باطن. ومن الجائز أن تتقن الظاهر وتدلس على الناس في الباطن، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن. فمن مصلحة الإنسان أن ينتمي هو والناس جميعا إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن هناك إلها حكيما يعرف كل شيء عنا جميعا. فإذا كان عندك شيء لا أعلمه، وأنا عندي شيء أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا أن نؤمن معا بإله يطلع على سرائرنا جميعا، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب. ولذلك قيل: " إن عميت على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء ". إذن فقضاء السماء وعلم الله بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها، لأنه هو الذي سيحمي كل واحد منا من غيره. وعندما ستر الله غيبنا فذلك نعمة يجب أن نشكره عليها لأن النفوس متقلبة. فلو علمت ما في نفسي عليك في لحظة قد لا يسرك.. وقد لا تنساه أبدا ويظل رأيك في سيئا، لكن الظنون والآراء تمر عندي وعندك وتنتهي. ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة، والقول المأثور يذكر ذلك: " لو تكاشفتم ما تدافنتم ". إذن فمن رحمة الله ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه. والحق يحذرنا ممن قال فيهم: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } [البقرة: 204] أي الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من شر، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال:
على الذم بتنا مجمعين وحالنا
Unknown page