Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
وعندما كان العرب يتفاخر بعضهم على بعض يقول أحدهم للآخر: يا أخي أنت تفتخر علي بماذا؟ فيرد عليه الثاني: أفتخر عليك بآبائي وأجدادي. فيرد الأول: اذكر جيدا أن مجد آبائك انتهى بك، ومجد آبائي بدأ بي، ولماذا لا أجعل لآبائي الفخر بأنهم أنجبوني؟ وفي ذلك يقول أحدهم:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم
كلا لعمري ولكن منه شيبان
وكم أب قد علا بابن ذرا شرف
كما علت برسول الله عدنان
وما دام القوم يفتخرون بحي منهم، فهم يلتحمون بمن يعطيهم المدد ليكونوا شيئا باقيا ومؤثرا في الوجود، وليس بذلك الشيء المحدود المتمثل في أنه يطعم الطعام، ويحمل الحمالات ويؤدي الديات، وإنما يكون بحمل رسالة الإنسانية العالمية. { فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]. لأن ذكركم الله سيصلكم بالمدد منه، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلا لقيادة حركة الحياة في الأرض، فتوطدوا فيها الأمن والسلام والرحمة والعدل، وهذا هو ما يجب أن يكون مجالا للفخر. وبعد ذلك يلفتنا الحق فيما يأتي إلى أن الإنسان إذا ما قضى المناسك كان أهلا لأن يضرع إلى الله، ويسأل الله بما يحب أن يسأله، والسؤال لله يختلف باختلاف همة السائلين، وكانوا لا يسألون الله إلا قائلين: يا رب أعطني إبلا، يا رب أعطني غنما، يا رب أعطني بقرا، ويا رب أعطني حائطا - أي بستانا - يا رب كما أعطيت أبي أعطني.
ولم يكن في بالهم إلا الأمور المادية، وأراد الله أن يجعلهم يرتفعون بالمسألة لله، وأن يصعدوها إلى شيء أخلد وأبقى وأنفع، ومن هنا تأتي المزية الإيمانية، فإذا كنتم ستسألون الله متاعا من متاع الدنيا فما الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية؟ ذلك ما نفهمه من قول الله عز وجل في ختام هذه الآية: { فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]. فالعبد حين يؤدي مناسكه لله يجد نفسه أهلا لأن يسأل الله، وما دمت قد وجدت نفسك أهلا لأن تسأل الله فاسأل الله. بخير باق لأن الإنسان إنما يصعد حاجته إلى المسئول على مقدار مكانة المسئول ومنزلته فقد تذهب لشخص تطلب منه عشرة قروش، وقد تذهب لآخر أغنى من الأول فتقول له: أعطني جنيها، ولثالث: تطلب منه عشر جنيهات، إنك تطلب على قدر همة كل منهم في الإجابة على سؤالك. إذن ما دام العباد بعد أداء المناسك في موقف سؤال لله فليصعدوا مسألتهم لله وليطلبوا منه النافع أبدا، ولا ينحطوا بالسؤال إلى الأمور الدنيوية الفانية البحتة. { فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200] إن العبد قد لا يريد من دعائه لله إلا الدنيا، ولا حظ ولا نصيب له في الآخرة، ومثل هذا الإنسان يكون ساقط الهمة لأنه طلب شيئا في الدنيا الفانية، ويريد الله أن نصعد همتنا الإيمانية. ولذلك يتبعها بقوله الحق: { ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة... }.
[2.201]
ولماذا لم ننس الدنيا هنا؟ لأنها هي المزرعة للآخرة. وقوله سبحانه: { آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201] اختلف فيها العلماء بعضهم ضيقها وقال: إن حسنة الدنيا هي المرأة الصالحة. وقال عن حسنة الآخرة إنها الجنة. ومنهم من قال: إن حسنة الدنيا هي العلم لأن عليه يبنى العمل، وفي حسنة الآخرة قال: إنها المغفرة لأنها أم المطالب. ومن استعراض أقوال العلماء نجدهم يتفقون على أن حسنة الآخرة هي ما يؤدي إلى الجنة مغفرة ورحمة، لكنهم اختلفوا في حسنة الدنيا . أقول: لماذا لا نجعل حسنة الدنيا أعم وأشمل فنقول: يا رب أعطنا كل ما يحسن الدنيا عندك لعبدك. ويذيل الحق هذه الآية بقول: { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201] وسبحانه وتعالى حين يمتن على عباده يمتن عليهم بأن زحزحهم عن النار وأدخلهم الجنة، كأن مجرد الزحزحة عن النار نعيم، فإذا ما أدخل الجنة بعد الزحزحة عن النار فكأنه أنعم على الإنسان بنعمتين لأنه سبحانه قال:
وإن منكم إلا واردها..
Unknown page