Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون
[الشعراء: 47-48]. ولم تنفعكم عزة فرعون لأنها عزة بالإثم، لقد جاءت العزة بالحق فغلبت العزة بالإثم. لذلك يبين لنا الحق سبحانه وتعالى أن العزة حتى لا تكون بالإثم، يجب أن تكون على الكافر بالله، وتكون ذلة على المؤمن بالله.
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..
[المائدة: 54]. وكذلك قوله الحق:
أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..
[الفتح: 29]. وهذا دليل العزة بالحق، وعلامتها أنها ساعة تغلب تكون في منتهى الانكسار، ولنا القدوة في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي خرج من مكة لأنه لم يستطع أن يحمي الضعفاء من المؤمنين، وبعد ذلك يعود إلى مكة فاتحا بنصر الله، ويدخل مكة ورأسه ينحني من التواضع لله حتى يكاد أن يمس قربوس سرج دابته، تلك هي القوة، وهي على عكس العزة بالإثم التي إن علت تطغى، إنما العزة بالحق إن غلبت تتواضع. { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206] أي أن الأنفة والكبرياء مقرونة بالإثم، والإثم هو المخالف للمأمور به من الحق سبحانه وتعالى، { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206]. أي عزة هذه التي تقود في النهاية إلى النار؟ إنها ليست عزة، ولكنها ذلة، فلا خير في عمل بعده النار، ولا شر في عمل بعده الجنة. فإن أردت أن تكون عزيزا فتأمل عاقبتك وإلى أين ستذهب؟ " فحسبه " أي يكفيه هذا فضيحة لعزته بالإثم، وأما كلمة " مهاد " فمعناها شيء ممهد وموطأ، أي مريح في الجلوس والسير والإقامة. ولذلك يسمونه فراش الطفل المهد. وهل المهاد بهذه الصورة يناسب العذاب؟ نعم يناسبه تماما لأن الذي يجلس في المهاد لا إرادة له في أن يخرج منه، كالطفل فلا قوة له في أن يغادر فراشه. إذن فهو قد فقد إرادته وسيطرته على أبعاضه. فإن كان المهاد بهذه الصورة في النار فهو بئس المهاد هذا لون من الناس وفي المقابل يعطينا - سبحانه - لونا آخر من الناس فيقول سبحانه: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله... }.
[2.207]
والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة " يشري " يجب أن نلاحظ أنها من الأفعال التي تستخدم في الشيء ومقابله، ف " شرى " يعني أيضا " باع ". إذن، كلمة " شرى " لها معنيان، واقرأ إن شئت في سورة يوسف قوله تعالى:
وشروه بثمن بخس
[يوسف: 20]. أي باعوه بثمن رخيص. وتأتي أيضا بمعنى اشترى، فالشاعر العربي القديم عنترة ابن شداد يقول:
Unknown page