Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله: "وكل الفضائل منحصرة في التوسط" تقدير هذا الكلام أن الخالق تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى. إحداها مبدأ إدراك الحقائق والسوق إلى النظر في العواقب والتمييز بين المصالح والمفاسد, ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية, والنفس المطمئنة, والملكية. والثانية: مبدأ جذب المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك وتسمى القوة الشهوانية والبهيمية, والنفس الأمارة. والثالثة: مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع وهي القوة الغضبية والسبعية, والنفس اللوامة وتحدث من اعتدال الحركة للأولى الحكمة, وللثانية العفة, وللثالثة الشجاعة, فأمهات الفضائل هي هذه الثلاثة وما سوى ذلك إنما هو من تفريعاتها وتركيباتها, وكل منها محتوش بطرفي إفراط وتفريط هما رذيلتان. أما الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة, وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}, وإفراطها الجربزة وهي استعمال الفكر تضعف عن السير ولا تجمح بل تنقاد للروح, ثم التوسط في هذا المجموع أي: الحكمة والعفة والشجاعة هي العدالة فلهذا فسر الوساطة بالعدالة فالعدالة تقتضي الرسوخ على الصراط المستقيم, وتنفي الزيغ عن سواء السبيل. "وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" وقوله عليه السلام: "ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن" " هذه هي الأدلة المشهورة على أن الإجماع حجة فقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} فقد عرفت ما عليه.
وأما غيره من الآيات فدلالته على أن اتفاق مجتهدي عصر واحد حجة ليست بقوية وما ذكر من أخبار الآحاد فبلوغ مجموعها إلى حد التواتر غير معلوم والإجماع دليل قاطع يكفر جاحده فيجب أن تكون الدلائل الدالة على أنه دليل قاطع قطعية الدلالة على هذا المدلول المطلوب فأنا أذكر ما سنح لخاطري فأقول القضايا المتفق عليها نوعان: أحدهما: ما اتفق عليه جميع الناس نحو العدل حسن, والظلم قبيح فهذا النوع يجب أن يكون يقينيا يضاهي المتواترات والمجربات; لأن الناس إذا اتفقوا على قضية فإن لم تكن ثابتة عندهم
...................................................................... ..........................
فيما لا ينبغي كالمتشابهات وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة الشرائع نعوذ بالله تعالى من علم لا ينفع, وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرادة والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة. وأما الشجاعة فهي انقياد السبعية للناطقية في الأمور ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الهائلة حتى يكون فعلها جميلا, وصبرها محمودا, وإفراطها التهور أي: الإقدام على ما لا ينبغي, وتفريطها الجبن أي: الحذر عما لا ينبغي الحذر عنه, وأما العفة فهي انقياد البهيمية للناطقية ليكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقية ليسلم عن استعباد الهوى إياها واستخدام اللذات. وإفراطها الخلاعة, والفجور أي: الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب, وتفريطها الخمود أي: السكوت عن طلب اللذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع إيثارا لا خلقة فالأوساط فضائل, والأطراف رذائل, وإذا امتزجت الفضائل الثلاثة حصلت من امتزاجها حالة متشابهة هي العدالة, فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة, وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام: "خير الأمور أوسطها", والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة لتصل بذلك إلى كمالها اللائق بها ومقصودها المتوجهة إليه. وفي السبعية كسر البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها, واشترط التوسط في أفعالهما لئلا تستبعد الناطقة في هواهما, وتصرفاتهما عن كمالها ومقصدها وقد مثل ذلك بفارس استردف سبعا وبهيمة للاصطياد فإن انقاد السبع, والبهيمة للفارس واستعملهما على ما ينبغي حصل مقصود الكل بوصول الفارس إلى الصيد, والسبع إلى الطعمة, والبهيمة إلى العلف, وإلا هلك الكل, فقوله: النفس الحيوانية أراد بها ما هو أعم من البهيمية والسبعية. وأما الكلام في أن هذه الثلاثة نفوس متعددة أم نفس واحدة مختلفة بالاعتبارات أم قوى, وكيفيات للنفس الإنسانية فموضعه علم آخر.
Page 105