532

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "وأما غيره من الآيات فدلالته على أن اتفاق مجتهدي عصر واحد حجة" قطعية ليست بقوية أما قوله تعالى: {كنتم خير أمة} الآية; فلأن الظاهر أن الخطاب فتواطؤهم على الكذب مما يحيله العقل إذ لولا ذلك يلزم القدح في المتواترات, وإن كانت ثابتة عندهم فحكم العقل بها إن لم يتوقف على السمع فإن كان حكما واجبا على تقدير تصور الطرفين في نفس الأمر بديهة, أو كسبا فهو المطلوب, وإن كان واجبا في اعتقادهم إلا أنه خطأ فوقوع الخطأ بحيث لم يتنبه عليه أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والحكماء والعلماء وغيرهم في الأزمنة المتطاولة يوجب أن لا اعتماد على العقل أصلا, وأيضا الحكم الضروري ليس معناه إلا أنه ما يقع في العقول, وإن لم يكن واجبا أصلا بل وقع اتفاقا والاتفاقي لا يكثر, ولولا ذلك للزم القدح في المجربات, وإن توقف على السمع فإن حكم العقل بوجوب على قبوله بأن يحكم بامتناع الكذب من قائله فهو المطلوب, وإن لم يحكم فاتفاق الجمهور على قبوله من غير وجوب باطل لما مر. فإن قلت لم لا يجوز أن واحدا من أهل الشوكة حكم به واتبعه متابعوه ثم بعد ذلك اتبعهم الناس كما نشاهده من الرسوم والعادات؟ قلت: كلامنا فيما يعتقده الناس أنه حسن أو قبيح عند الله فلا يرد ذلك على أن الأنبياء وأهل الحق لم يخافوا أن يعنتهم الناس على ترك الرسوم بل رفضوها وهم قد اعتقدوا ما نحن بصدده, وأيضا مثل ذلك الاحتمال يرد على المتواترات الماضية ولم يقدح فيها. والثاني: ما اتفق عليه المجتهدون من أمة محمد عليه الصلاة والسلام في عصر على أمر فهذا من خواص أمة محمد عليه الصلاة والسلام فإنه خاتم النبيين فلا وحي بعده, وقد قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم}

...................................................................... ..........................

للصحابة على ما يشعر به قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى}, وأن الضلال في بعض الأحكام بناء على الخطأ في الاجتهاد بعد بذل الوسع لا ينافي كون المؤمنين العاملين بالشرائع الممتثلين للأوامر خير الأمم; ولأن المعروف والمنكر ليسا على العموم إذ رب منكر لم ينهوا عنه لعدم الاطلاع عليه; ولأن المعروف والمنكر بحسب الرأي, والاجتهاد لا يلزم أن يكونا كذلك في الواقع, وبعد تسليم جميع ذلك لا دلالة له قطعا على قطعية إجماع المجتهدين من عصر. وأما قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} الآية فلأن العدالة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد إذ لا فسق فيه بل هو مأجور; ولأن المراد كونهم وسطا بالنسبة إلى سائر الأمم; ولأنه لا معنى لعدالة المجموع بعد القطع بعدم عدالة كل من الأحاد, وبعد التسليم لا دلالة على قطعية إجماع المجتهدين في عصر.

قوله: "وما ذكر من الأخبار" قد يستدل على حجية الإجماع بأن الأخبار في عصمة الأمة عن الخطأ مع اختلاف العبارات, وكون كل منها خبرا واحدا قد تظاهرت حتى صارت متواترة المعنى بمنزلة شجاعة علي رضي الله عنه وجود حاتم فأجاب بأن بلوغ مجموعها حد التواتر غير معلوم ولا يخفى أن مثل هذا يرد على كل ما ادعي تواتر معناه.

Page 106