519

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

"مسألة: إذا اختلفت الصحابة في قولين يكون إجماعا على نفي قول ثالث عندنا وأما في غير الصحابة فكذا عند بعض مشايخنا, وبعضهم خصوا ذلك بالصحابة رضي الله عنهم إذ لا يجوز أن يظن بهم الجهل أصلا" نظيره أنهم اختلفوا في عدة حامل توفي عنها زوجها فعند البعض تعتد بأبعد الأجلين, وعند البعض بوضع الحمل فالاكتفاء بالأشهر قبل وضع الحمل قول ثالث لم يقل به أحد. واختلفوا في الجد مع الإخوة فعند البعض كل المال للجد, وعند البعض المقاسمة فحرمان الجد قول ثالث لم يقل به أحد, واختلفوا في علة الربا فعندنا العلة هي القدر مع الجنس, وعند الشافعي رحمه الله تعالى الطعم مع الجنس, وعند مالك رحمه الله تعالى الطعم والادخار مع الجنس فالقول بأن العلة غير ذلك لم يقل به أحد. واختلفوا في الزوج مع الأبوين والزوجة مع الأبوين فعند البعض للأم ثلث الكل في المسألتين, وعند البعض ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين في المسألتين فالقول بثلث الكل في إحداهما وثلث الباقي في الأخرى قول ثالث لم يقل به أحد. واختلفوا في فسخ النكاح بالعيوب الخمسة فعند البعض لا فسخ في شيء منها, وعند البعض حق الفسخ ثابت في كل منها فالفسخ في البعض دون البعض قول ثالث لم يقل به أحد, ويعبر عن هذا بعدم القائل بالفصل. واختلفوا في الخارج من غير السبيلين فعند البعض غسل المخرج فقط واجب, وعند البعض غسل الأعضاء الأربعة واجب فقط فشمول العدم أو شمول الوجود قول ثالث لم يقل به أحد. وأيضا الخروج من غير السبيلين ناقض عندنا لا مس المرأة وعند الشافعي رحمه الله تعالى المس ناقض لا وأما عامة الناس ففيما لا يحتاج إلى الرأي كنقل القرآن وأمهات الشرائع داخلون في الإجماع كالمجتهدين وفيما يحتاج لا عبرة بهم وبعض الناس خصوا الإجماع بالصحابة لأنهم هو الأصول في أمور الدين والبعض بعترة الرسول عليه

الخروج فشمول الوجود أو شمول العدم ثالث لم يقل به أحد.

"وقال بعض المتأخرين: الحق هو التفصيل", وهو أن القول الثالث إن استلزم إبطال ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه, وإلا جاز مثال الأول الصورتان الأوليان فإن الاكتفاء بالأشهر قبل الوضع منتف بالإجماع إما; لأن الواجب أبعد الأجلين, وإما; لأن الواجب وضع الحمل فهذا يسمى إجماعا مركبا, فما به الاشتراك, وهو عدم الاكتفاء بالأشهر مجمع عليه, وفي الجد مع الإخوة اتفاق الفريقين واقع على عدم حرمان الجد, ومثال الثاني الأمثلة الأخيرة فإنه ليس في كل صورة إلا مخالفة مذهب واحد لا مخالفة الإجماع ولو كان مثل هذا مردودا يلزم أن كل مجتهد وافق صحابيا, أو مجتهدا في مسألة يلزمه أن يوافقه في جميع المسائل, وهذا باطل إجماعا. فإن عند ابن مسعود رحمه الله تعالى الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها بوضع الحمل وأبو حنيفة رحمه الله تعالى وافقه في ذلك ولم يوافقه في أن المحروم يحجب حجب النقصان عنده ولم يقل أحد بأن المجموع المركب من كون عدتها بوضع الحمل مع انتفاء الحجب منتف إجماعا, أما عند ابن مسعود رحمه الله تعالى فلثبوت الثاني, وأما عند غيره فلانتفاء الأول ومثل هذا كثير فإن المجتهدين رحمهم الله تعالى وافقوا بعض الصحابة في مسألة مع أنهم خالفوا ذلك البعض في مسألة أخرى, أقول التمسك بالإجماع المركب وبعدم القائل بالفصل مشهور في المناظرات, وإبطاله على الوجه الذي نقلته عن بعض المتأخرين ليس بحق. بل الحق في ذلك والله أعلم أنه إن كان الغرض إلزام الخصم يكون مقبولا في هذا الغرض كما يقال في الوجوب في الحلي أن الوجوب في الضمار لا يخلو من أن يكون ثابتا أو لا فإن كان ثابتا في الضمار يكون ثابتا في الحلي قياسا, وإن لم يكن ثابتا في الضمار يكون ثابتا في الحلي إذ لو لم يثبت في الحلي يلزم العدم في الضمار مع العدم في الحلي, وهذا منتف إجماعا فهذا لا يفيد حقية الوجوب في الحلي لكن يفيد نفي ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى فإنه لو لم يثبت الوجوب في الحلي يلزم العدمان, وهو منتف عند الشافعي رحمه الله تعالى.

...................................................................... ..........................

Page 93