وقال- تعالى-: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣] .
شددت الآية جدّا في أمر إيذاء النبي ﷺ ومن مظاهر ذلك التشديد:
١- إيراد إيذاء الله- ﷾ خالق كل شيء ومليكه- وإيذائه ﷺ في اية واحدة مع الجمع بينهما بحرف العطف (الواو)، ولو لم يقترن ذلك بأي تهديد أو وعيد أو ذكر عذاب لكفى بذلك تغليظا لأمر إيذائه ﷺ فكيف إذا اقترن؟
٢- تضعيف العذاب على من اذى النبي ﷺ حيث جمع الله له بين عذابي الدنيا والآخرة، فعليه في الدنيا لعنة وفي الآخرة لعنة، فهل يفلح رجل يمشي على الأرض عليه لعنتان، إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، ولعظيم جرمه لم تكن اللعنتان كافيتين، فقد بشرته الآية بعذاب مهين- أي ذي إهانة- أعده القوي العزيز خصيصا له.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظيم غيرة الله- ﷾ على نبيه ﷺ إذ قرن إيذاءه- ﷾ بإيذاء النبي ﷺ وقد جعل العقوبة على الإيذائين واحدة، فكان غضب الله- ﷾ من إيذاء النبي ﷺ لا يقل عن غضبه- ﷾ من إيذاء نفسه الكريمة المقدسة.
قال الحافظ ابن كثير- ﵀: (والظاهر أن الآية عامة في كل من اذاه ﷺ ومن اذاه فقد اذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله) «١» . وهذه الغيرة إنما تدل على عظيم حب الله- ﷾ لنبيه ﷺ.
فإن سأل سائل: وهل يغار الله ﷿؟
قلت: نعم، ودليله حديث أبي هريرة ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله يغار، وغيرة الله، أن يأتي المؤمن ما حرّم الله» «٢» .
الفائدة الثانية:
أثبتت الآية الكريمة أن الله ﷿ يبلغه إيذاء الناس، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن ادم، يسبّ الدّهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب اللّيل والنّهار» «٣» .
(١) انظر «تفسير القران العظيم» (٣/ ٥١٨) .
(٢) البخاري، كتاب: النكاح، باب: الغيرة، برقم (٥٢٢٣) .
(٣) الخاري، كتاب: تفسير القران، باب: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، برقم (٢٢٤٦) .
2 / 31