المكروهات، والنية إنما تجعل الشيء كبيرة عند تعاطيه وهو محتمل للأمرين، أما إذا تمحضت النية عن الفعل، كمن نوى أنه يزني غدا ونحو ذلك فليس بكبيرة وإن كان محرما إلا إذا نوى أنه يكفر غدا فإنه يكفر في الحال، لأن نية الاستدامة في الإيمان شرط، فإذا أتى بما ينافيها قطعها وأما ما اختلف في إباحته، كشرب النبيذ والنكاح بلا ولي ولا شهود فقد اختار كثير من الأصحاب: أن من فعله معتقدا للتحريم كان كبيرة في حقه، بخلاف من يعتقد الإباحة، فلو فعله من لا يعتقد واحدا منهما، كالعامي مع علمه بالاختلاف فيه، حكى الماوردي: فيه وجهين: قال البصريون: هو فاسق مردود الشهادة، لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون بالدين.
وقال البغداديون: لا يفسق، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي ولا يفسق معتقد الإباحة، ومناط قبول الشهادة وردها ليس مفرعا من كل وجه على كون الفعل كبيرة ألا، بل ترد الشهادة باللازم، وما يشعر به الفعل من التهاون، وإن لم يكن محرما فضلا عن كونه كبيرة، كما في ترك المروءة وما يعتاده الرجل من التصون، ويمكن أن ارد جميع هذه التفاصيل على الخصال التي تقدمت منصوصة في الأحاديث، ويكون في كل واحدة منها إشارة إلى ما هو من نوعه، وبيان ذلك أن مدار الكبائر كلها راجع إلى ما يتعلق بالضرورات الخمس التي هي: مصلحة الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال.
أما مصلحة الدين فذلك إما في الاعتقادات أو الأعمال، والاعتقادات إما كفر أو غيره والأعمال إما ظاهرة أو باطنة من أعمال القلوب، وكل منها إما قاصر أو متعد إلى الغير، فهذه أقسام: أولها: الكفر بالله عز وجل وقد تقدم أنه المراد بالشرك الوارد في الحديث فيندرج فيه سائر الأنواع التي تكون كفرا، كتعطيل الصانع وأقوال الدهرية والفلاسفة من إثبات الوسائط و نحوه، وكذلك كل مقالة لفرق هذه الأمة يكفر قائلها، كالقول بنبوة علي وغلط جبريل في الرسالة ونحوه.
وثانيها: ما لا يكفر به من الاعتقاد وإليه الإشارة بترك الشبه في الحديث فيدخل
Unknown page