قلت: وفي كل منهما نظر، لأن كلا منهما حد للكبيرة من حيث هي، وفيما تقدم من الأحاديث خصال ليست في واحد منهما، لا سيما على الوجه الأول الذي اعتبر فيها شرعية قال الغزالي في البسيط : كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذر وندم، كالمتهاون بارتكابها، والمتجرئ عليها اعتيادا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس، وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به اتنغيص التلذذ بالمعصية، فليس بكبيرة ولا يمنع العدالة.
وهذا في الحقيقة بسط لعبارة الإمام، وهو مشكل جدا إن كان ضابطا للكبيرة من حيث عدالته، إذ يرد عليه من ارتكب نحو الزنى والخمر ويندم عليه ثم لم يقلع، أنه لا تنخرم به عدالته، ولا يسمى كبيرة، وليس كذلك اتفاقا، وإن كان ضابطأ لما عدا المنصوص عليه مما تقدم فهو قريب، وله في الإحياء كلام طويل ليس هذا موضعه.
وقال الشيخ عز الدين رحمه الله في القواعد : إذا أردت معرفة الكبائر والصغائر فاعرض فسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي المن الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي منها، فمن شتم الرب تبارك وتعالى والرسول عليه الصلاة والسلام، أو استهان بالرسل، أو كذب واحدا منهم، أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف بالقاذورات، فهذا من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة.
قلت: هذا كله مندرج تحت الشرك بالله تعالى لأن المراد به بالاتفاق مطلق الكفر لا اخصوص الشرك، ويكون ذلك من باب التعبير بالخاص عن العام، وخصصه بالذكر لغلبته ببلاد العرب، أو من باب التنبيه بأحد الخاصين عن الآخر.
ثم قال: وكذلك من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلما لمن يقتله، فلا اششك أن مفسدته أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم ، وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته، ويسبون حريمهم وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فإن نسبة هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر وهو من الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذبأ يعلم أنه يقتل به.
Unknown page