فصل
العالم إذا اجتمعت فيه شروط الاجتهاد غير العدالة، قال أكثر الأصوليين : لا يعتبر قوله في الاجماع، ولا ينقضه مخالفته، واختلفوا في تعليله على وجهين: أحدهما: أن إخباره عن نفسه لا يوثق به لفسقه، فربما أخبر بالوفاق وهو مخالف. أوا بالخلاف وهو موافق، فلما تعذر الوصول على معرفة قوله، سقط أثر قوله.
الثاني : أن العدالة ركن في الاجتهاد كالعلم فإذا فاتت العدالة فاتت أهلية الاجتهاد.
فالتعليل الأول يرجع إلى أن العدالة معتبرة في أخباره لا في تهيؤ الاجتهاد، فهو عند قائل ه مجتهد غير مقبول القول.
وصاحب التعليل الثاني : يراه من شرائط أهلية الاجتهاد، ويتفرع على هذا، أن الفاسق إذا أدى اجتهاده إلى جكم هل يقلده فيه من علم صدقه في فتواه بالقرائن؟ وفيه خلاف: فعلى الأول: له الأخذ بقوله، لأنه لم يرتب ذلك على مجرد إخباره، بل مع ما انضم إليه من القرائن المفيدة للعلم بصدقه في فتواه.
وعلى الثاني : لا يؤخذ بقوله، لأنه ليس من أهل الاجتهاد.
ويتصل بهذا قاعدة ما يشترط فيه العدالة وما لا يشترط فيه ، ومدار هذه القاعدة على الاعدة المشهورة في أصول الفقه : "أن المصالح المعتبرة إما في محل الضرورات أو في امحل الحاجات، أو في محل التتمات، أو مستغنى عنها بالكلية، إما لعدم اعتبارها أو لقيام غيرها مقامها".
وبيان هذا أن في اشتراط العدالة في صحة التصرف مصلحة لحصول الضبط بها عن الخيانة والكذب والتقصير، إذ الفاسق ليس له وازع ديني فلا يوثق به ، فاشتراط العدالة في شهادة والرواية في محل الضرورات، لأن الضرورة تدعو لحفظ الشريعة في نقلها وصونها من الكذب، وكذلك في الفتوى أيضا، لصون الأحكام ولحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع.
Unknown page