============================================================
1790مفاتيح الأسرار ومصابيح الآبرار أن ينكر عاقل على فاعل قولا وأن يقتل عاقل عاقلا فعلا: إذ لا رجحان لعقل على عقلا لكنه لما دعاهم إلى التوحيد ونفي الأنداد فقد دعاهم إلى الفطرة، ومن آنكر الفطرة منهم ابطل الفطرة عليه، والفتنة كل الفتنة في إنكار الفطرة. (قاتلوهم حتى لا تكون فثنة) معناه مصدر الشرك ومنشأ الكفر ومنبع العبث والفساد وهو الاستبداد بالراي والهوى وترك الدين والتسليم؛ والنبي لا يفحم خصمه إلا بقولة خصمه، ولا يعجزه إلا بفتواه، ولا يقتله إلا بدينه ومذهبه؛ وذلك إظهاره على الدين كله ، ولأن تطهير الأرض عن فساد الكفر واجب.
والكفر إنما يرتفع عن الأرض بأحد أمرين: أحدهما: الدعوة إلى التوحيد باللسان وإقامة الحجة والبرهان وذلك من حيث القول والثانى: إفلاك الكفرة بالسيف وذلك من حيث الفعل.
فلذلك ابتدأ النبي -صلى الله عليه وآله -بالدعوة إلى التوحيد قولا ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر الى المدينة حتى تحققت اليراءة من الكفرة شخصا، ونزلت آية القتال وشرع بالجهاد في سبيل الله، وكان في الابتداء مقصورا على قتال من قاتل منهم كماكان ببدر وأحد، وصار عاما في الانتهاء بعد نبذ العهد إليهم كما نزلت الآية في سورة براءة، وليس ذلك نسخا، بل عميم حكم بعد تخصيصه، وتشديد امر بعد تسهيله، كسائر العبادات والمعاملات التى كانت في الابتداء بغير شروط وأركان وتعيين وقت وزمان، ثم كملت في الانتهاء بشرائطها و أركانها وأعدادها وأوقاتها.
و من قال: إن قوله: (لكم دينكم ولي دين) منسوخ بآية القتال فقد أخطأ؛ فإنه تقرير لآية القتال وتوجيه للجهاد وإيجاب للغزو في سبيل الله: فإن السورة من ابتدائها إلى انتهائها براءة من الكافرين ومعبودهم، وتتبرا من دينهم، ومالم تحصل البراءة عن الكفرة ودينهم من كل وجه لم يلزم قتلهم وقتالهم. فلما انتهى القول نهايته ابتدأ بالفعل وبلغه غايته.
والقتال كان واجبا في الأديان السالفة بعد استكمال الدعوة واستعلاء الكلمة؛ ولقدكان عيسى - عليه الصلاة والبلام -داعيا بلطف اللسان، ناهيا عن الشرك بالحجة والبرهان، ولم تزد مدة دعوته على نلاث سنين، وكان يوصي في الآخرة كل من كان له قميصان؛ فليبع أحدهما -325 ب - وليشتر به سيفا، وماكان يصنع بالسيف وهو غبر مقاتل؟! ولذلك فأمر بالجهاد ليتهنل
Page 860