============================================================
718مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار وإما بقر وإما بعير، ولم يبق في كلامهم إلا دعاء ونداء، وهذا حكم دعوة المتبوعين، أما حكم الأتباع فهم صم بكم عمي، والمقلدون كلهم صم بكم عمي إذا لم يكن متبوعهم ومقتداهم مهتديا صادقا يعقل عنالله أمره، وإذ كان دعاؤه ونداؤه نعيقا كان حال من قلده الصمم والبكم والعمى وعدم العقل؛ وإذ وجب تطبيق المثل على الممتول له فالنعيق اولى بالداعي منهم والبهيمة أولى بالأتباع منهم.
وسر آخر: إن مفصل الخلاف في أصل الدين ومنشأ الضلال للضالين هو آتباع كل ناعق وتقليدكل مدع ومنافق من غير أن يثبت صدق قوله عند التابع؛ فلا المتبوعون أثبتوا صدق قولهم واهتداء عقلهم أولا ثم دعوا الناس إلى مقالتهم، ولا التابعون قلدوهم على بينة واتبعوهم بإحسان: وكما جرت السنة بمثل هذا في الأمم السالفة كذلك جرت في هذه الأمة مع زيادة خزي ونكال، وأن المتبوع -293 ب - ربما يمنع من تقليده وتقليد غيره ويقول: علمنا هذا رأي رأيناه فلا ألزم الغير تقليدي، ولا أنا أقلد غيري، يل التقليد في أصول الدين كفرقبيح، والحق في فروع الدين ليس بمتعين ولامقصور على واحد بعينه؛ إذالحق في أحد المذاهب لا بعينه، وأما الأتباع فإنما لهم مذاهب اتفاقية ولدوا عليها ووجدوا أباءهم واسلافهم معتقدين بها؛ فليس لأحد حجة وبرهان على صدق قول متبوعه في جميع ما ذهب إليه؛ والله سبحانه يقول: (أو لؤ كان آباؤهم لا يفقلون شيئا ولايهتدون)؛ فبين أن العاقل المهتدي يستحق أن يكون هاديا لغيره؛ فوجب على التابع المقلد أن يطلب منه برهانا على كونه ذلك المهتدي حتى يقلده، أو يجب على المتبوع الهادي أن يقيم برهانا على كونه مهتديا حتى يستتبع غيره؛ فإذ لم يكن الأتباع على بيتنة من الطالب ضعف الطالب والمطلوب؛ وإذ لم يكن الاستتباع على بيتة من المتبوع خسر التابع والمتبوع قوله -جل وعزي: يا أيها الذين آمنواكلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون() النظم صرف الخطاب من الناس عامة إلى الذين امنوا خاصة؛ فدخل في الخطاب الأول ليتهنل
Page 788