============================================================
تتسير سورة البقرة /541 بالحق بشيرا ونذيرا؛ فيكون هو على بينة من ريه، وإنما المعتبر تبينه عند نفسه لا تبينه عند غيره، وهكذا حال جميع الأنبياء -عليهم اللام -كما قال نوح - عليه اللام - (يا قوم أرأيتم إن كنت على بيتة من ربي وآتاني رخمة من عنده فعميت عليكم)؛ فالمكلف الأول بالدعوة الى الله تعالى هو النبي والمكلف الثاني هو المستجيب؛ فإن كان هو في ريب مما أنزل على النبي فالنبي ليس في ريب من ذلك، ووجب عليه الإمضاء لأمره وتوجيه التكليف على خلقه؛ أيقن من ايقن وارتاب من ارتاب.
وسر آخر: أن الإرسال بالحق قد حمل على وجوه من المعنى، ومعنى الحق أعم من جميع ذلك؛ فإنه في وضع اللغة عبارة عن كل أمر واجب لازم، وقد قال النبي -صلى الله عليه اله - : "إن لكل حق حقيقة". (690) ثم الحق ما يستحق الوجود ويكون الوجود به أولى، والباطل ما يستحق العدم ويكون العدم به أولى، وأحق الأشياء بالوجود ما هو واجب لذاته، فلذلك صار الحق اسما من أسماء الله تعالى، ثم أحق الأشياء بالوجود بعده أمره الأولل وكلمته الأعلى التي بها خلق السماوات والأرض كما قال: (ما خلقناهما إلا بالحق)؛ وإنما خلق السماوات والأرض بالحق كذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالحق، والحق الذي به خلق كلمته العليا وأمره الأعلى، والحق الذي به أمر كلمة لا إله إلا الله، وهو الحق الذي لا حق فوقه؛ فتبين أن معنى: (إنا أرسلناك بالحق) أي بكلمة لا إله إلا الله، والقرآن كله شرح تلك الكلمة: فصح تفسير الحق بالقران وما فيه [من] أمر ونهي ووعد ووعيد، وصح تفسير الحق بالوعد والوعيد؛ والحق قد يطلق على ما في الأفكار من صحة الاعتقاد ويطلق على ما في اللسان من صدق القول، ويطلق على ما في الأركان من صواب العمل: فإذا عاد معنى: (إنا أرسلتاك بالحق)، إلى جميع ما في عالم الخلق وعالم الأمر وجميع الحركات الجبرية والحركات الاختيارية وجميع العلوم والمعارف والأخلاق والمذاهب، ب شيرا لمن أمن وصدق وعمل في إيمانه خيرا، ونذيرا لمن كفر وكذب وعمل في كفره شرا: وحكم الأسرار في العاقبة مرفوع عنك -236 ب - سؤالا وجوابا وجزاء وعقابا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم؛ فلا تسأل عنهم، (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وماكنا غائبين ): وذلك حكم صاحب الفيامة الذي يقضي بعلمه لا ليتهنل
Page 607