579

============================================================

تفسير سورة البقرة /593 اله قد كذب صادقا في امتناعه من السجود؛ فضل كل الضلال مذؤوما مدحورا في مهالك الجهال.

والوجه السابع: أن طلب المعجزة من المخبر احتكام على المخبر بما لا يندرج تحت قدرته؛ فهو تكليف ما لا يطاق على النبي، وعن هذا قالت الرسل -عليهم السلام -(وماكان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله) بل هو احتكام على الله تعالى بإظهار المعجزة على يده وفق دعواه، وأن التسليم من غير طلب المعجزة احتكام على عقل المستمع بالقيول، فأي الاحتكامين أولى بالاحتمال؟ وأي التقليدين أحرى بالقبول؟

والوجه الثامن: أن التقليد هو قبول قول الغير من غير حجة، وهو قبيح على أصل المتكلم وقوله ذلك -تحديدا للتقليد - الزام قبول قوله من غير حجة، فهو قبيح لكن قولا النبي الذي هو على بينة من ربه ليس يخلو قط عن حجة، فإنه -224 آ إن ابتدأ بتوحيد المرسل أخذ الكلام من أصل الفطرة، كما قال تعالى: (يا أيها الناش اغبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون*. فلم يقتصر على قوله "اعبدوا ربكم" حتى يكون تقليدا من غير حجة، بل قرنه بقوله: "الذي خلقكم"، فعرفه تعالى بخلقه، وهو فطرة؛ فلم يكن تقليدا؛ وإن ابتدأ بالنبوة وادعى الرسالة أخذ الكلام من الفطرة أيضا؛ فإنهم كما احتاجوا في وجودهم وبقائهم إلى خالق رازق كذلك احتاجوا في حركاتهم الفكرية ليتهنل القولية والعملية إلى مرشد مسدد، كما قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا نفهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة). فلم يقتصر على قوله: (هو الذي بعث في الأميين رشولا منهم) حتى يكون تقليدا من غير حجة، بل قرنه بقوله: (يقلو عليهم آياته) الآية، وعرفه بأمره وآياته، وهو فطرة؛ فلم يكن تقليدا.

والوجه التاسع: أن نفس الدعوى لولم تكن حجة لم يصر المدعو محجوجا بقوله المجرد، بل توقف كونه محجوجا على ظهور معجزته؛ ومن المسلم أن من الأنبياء من لم تكن له معجزة إلا بعد مدة طويلة، ومنهم من لم تكن له معجزة أصلا؛ وبالجملة إذا لم يكن قوله المجرد حجة عند المتكلم لم يكن المستجبب محجوجا؛ فلم يجب عليه امتتال أمره ولا الإصغاء إلى قوله، ولولا ما ذكرناه أن قوله ليس يخلو عن بيتة وأن لا منازع له في دعواه،

Page 579