392

لئلا يكون مخالفا لمن قبله فيما ظهر له ولم يظهر لهم ! فلم ير المنتقد (1) الغيور على السنة أن الملاحدة الذين يتقى طعنهم في السنة بتعديل كعب ووهب يشككون المسلمين في الاصول والمسائل القطعية حتى في نصوص القرآن ! ثم إننا نعيد القول ونؤكده بأن ظهور كذب كعب ووهب لنا لا يترتب عليه خسراننا لشئ من أصول ديننا ولا من فروعه ، فالعمدة في الدين هو القرآن وسنن الرسول المتواترة وهى السنن العملية ، كصفة الصلاة والمناسك مثلا ، وبعض الاحاديث القولية التى أخذ بها جمهور السلف ، وما عدا ذلك من أحاديث الآحاد التى هي غير قطعية الدلالة ، فهى محل اجتهاد . وإننا نرى بعض الائمة المجتهدين قد تركوا الاخذ بكثير من الاحاديث الصحيحة ، حتى ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) منها . ولا يزال يتبعهم الملايين من الناس في تركها ، ولا يعدهم سائر المسلمين ضالين عن دينهم . وقد أورد المحقق ابن القيم أكثر من مائة شاهد من هذه الاحاديث الصحيحة التى خالفها الحنفية وغيرهم ، وهم أكثر مسلمى هذا العصر . فماذا تكون قيمة روايات هذا الاسرائيلي (كعب الاحبار) وهذا الفارسى (وهب بن منبه) وأكثرها خرافات إسرائيلية ، شوهت كتب تفسير كتاب الله وغيرها من الكتب ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها أعداؤه الملاحدة بأنه كغيره دين خرافات ، وأوهام ، وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه أكبر ، كالذى ذكره كعب من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة (2) واعترف المنتقد بصحته عنه . . إلى أن قال : إن جرحنا لهما (كعب ووهب) إنما كان في شئ لم يكن يعرفه رجال الجرح والتعديل المتقدمون ، وهو وجيه يتعين قبوله . وإن الروايات المعروفة صحتها عنهما كافية في إثبات كذبها . وبعد هذا كله أقول : إذا ثبت بما حررناه كذب الرجلين بما ذكرا ، فلا يبقى مجال للشك في أنهما كانا يغشان المسلمين ، ويدخلان في كتبهم الدينية ورواياتهم ما يقتضى الطعن في دينهم ، وحينئذ لا يبقى محل لاستغراب اشتراكهما في تلك الجمعيات اليهودية والمجوسية ، التى كانت تكيد للاسلام والعرب (3) .

---

(1) الذى كان قد أخذ عليه الطعن في كعب وغيره اسمه الشيخ عبد الرحمن الجمجمونى . (2) راجع ص 151 وما بعدها . (3) ص 614 - 619 ج 27 منار . (*)

--- [ 396 ]

Page 395