391

العلم القطعي الثابت بالحس في مثل هذه المسألة وما في حكمها - لا مندوحة لنا عن أحد أمرين : إما الطعن في سند الحديث وإن صححوه - لان رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم ، وأقرب تصوير للطعن فيما اشتهر رواته بالصدق والضبط أن يكون الصحابي أو التابعي منهم سمعه من مثل كعب الاحبار ، ونحن نعلم أن أبا هريرة روى عن كعب الاحبار ، وكان يصدقه ونرى الكثير من أحاديثه عنعنة لم يصرح بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم - ومن القطعي أنه لم يسمع الكثير منها من لسانه صلى الله عليه وسلم لتأخر إسلامه فمن القريب أن يكون سمع بعضها من كعب الاحبار . ومرسل الصحابي إنما يكون حجة إذا سمعه من صحابي مثله (1) ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن روى عن كعب الاحبار وكان يصدقه - وإما تأويل الحديث بأنه مروى بالمعنى وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبر عما فهمه ، كعدم فهم راوي هذا الحديث الذى ذكرنا على سبيل التمثيل - المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس تكون ساجدة تحت العرش إلخ . فعبر عنه بما يدل على أنها تغيب عن الارض كلها . . إلى أن قال : وقد أول الحديث بعض شراح الصحيحين ليوافق رأى المتقدمين من علماء الفلك فكان تأويلهم متكلف يرده ظاهر الحديث ولا سيما رواية مسلم المطولة . ومن هذا القبيل حكاية بعض الرواة لكعب ووهب عن كتب بنى إسرائيل ، ولم يكن يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم وابنه وأمثالهم (2) يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح لعدم اطلاعهم على تلك الكتب ، وعدم ظهور دليل على كذب الرواة المتقنين للكذب ، فيما يعزونه إليها ، فإذا ظهر لمن بعدهم في العصر أو فيما قبله ، أو فيما بعده ما لم يظهر لهم من كذب اثنين أو أكثر من هؤلاء الرواة فهل يكابر حسه ويكذب نفسه ، ويصدقهم بلسانه كذبا ونفاقا ؟ أو يكتم الحق عن المسلمين

---

(1) هذا إذا جاءت الرواية بذلك ولكنها أتت بغير ذلك فلا يذكر الصحابي اسم من سمع منه وبهذه الحالة تسقط حجية الحديث . (2) من شيوخ الحديث وعلماء الجرح والتعديل . (*)

--- [ 395 ]

Page 394