387

الزمان ، ومن راجع مقدمة الامام مسلم ، علم ما لحقه من التعب والعناء في تصنيف صحيحه ، واطلع على ما أدخله الدخلاء في الدين وليس منه في شئ . لم يخف على أهل النظر في التاريخ أن الدين الاسلامي غشى أبصار العالم بلامع القوة ، وعلا رءوس الامم بسلطان السطوة وفاض في الناس فيضان السيول المنحدرة ، ولاحت لهم فيه رغبات ، وتمثلت لهم منه مرهبات ، وقامت لاولى الالباب عليه آيات بينات ، فكان الداخلون في الدين على هذه الاقسام : قوم اعتقدوا به إذعانا لحاجته واستضاءة بنوره وأولئك الصادقون ، وقوم من ملل مختلفة انتحلوا لقبه واتسموا بسمته ، إما لرغبة في مغانمه أو لرهبة من سطوات أهله ، أو لتعزز بالانتساب إليه فتدثروا بدثاره ، لكنهم لم يستشعروا بشعاره ، لبسوا الاسلام على ظواهر أحوالهم ، إلا أنه لم يمس أعشار قلوبهم ، فهم كانوا على أديانهم في بواطنهم ، ويضارعون المسلمين في ظواهرهم . وقد قال الله في قوم من أشباههم : " قالت الاعراب آمنا ! قل لم تؤمنوا ، ولكن قولوا أسلمنا ، ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فمن هؤلاء من كان يبالغ في الرياء حتى يظن الناس أنه من الاتقياء ، فإذا أحس من قوم ثقة بقوله أخذ يروى لهم أحاديث دينه القديم مسندا لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض أصحابه ، ولهذا ترى جميع الاسرائيليات وما حوته شروح التوراة قد نقل إلى الكتب الاسلامية على أنه أحاديث نبوية (1) . ومنهم من تعمد وضع الاحاديث التى لو رسخت معانيها في العقول أفسدت الاخلاق وحملت على التهاون بالاعمال الشرعية وفترت الهمم عن الانتصار للحق ، كالاحاديث الدالة على إنقضاء عمر الاسلام " والعياذ بالله أو المطمعة في عفو الله مع الانحراف عن شرعه ، أو الحاملة على التسليم للقدر بترك العقل فيما يصلح الدين والدنيا . كل ذلك يضعه الواضعون قصدا لافساد المسلمين وتحويلهم عن أصول دينهم . ليختل نظامهم ويضعف حولهم . ومن الكاذبين قوم ظنوا أن التزيد في الاخبار والاكثار من القول ، يرفع من شأن الدين ، فهذروا بما شاءوا ، يبتغون بذلك الاجر والثواب ، ولن ينالهم إلا الوزر والعقاب ، وهم الذين قال فهم مسلم في صحيحه ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث (2) ويريد " بالصالحين " أولئك الذين يطيلون

---

(1) راجع فصل الاسرائيليات من هذا الكتاب ص 145 وما بعدها . (2) راجع فصل الوضاع الصالحون ص 138 . (*)

--- [ 391 ]

Page 390