385

ولما تكلم عن عمر الدنيا قال : كان المعتمد في ذلك في صدر الاسلام آثارا منقولة عن الصحابة ، وخصوصا مسلمة بنى إسرائيل مثل كعب الاحبار ووهب ابن منبه وأمثالهما ، وقال في حديثه عن تفسير القرآن : وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين ، والمقبول والمردود ، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والامية ، وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ ، مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات ، وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ، وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية ، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالاحكام الشرعية التى يحتاطون لها ، مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات . وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة فتلقيت بالقبول من يومئذ (1) . وقال في بحث علوم الحديث (2) . إن الائمة المجتهدين تفاوتوا في الاكثار من هذه الصناعة والاقلال فأبو حنيفة رضى الله تعالى عنه : يقال بلغت روايته إلى 17 حديثا أو نحوها ، ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب الموطأ وغايتها 300 حديث أو نحوها ، وأحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده 50 ألف حديث (3) . . وإنما قلل منهم من قلل الرواية لاجل المطاعن التى تعترضه فيها ، والعلل التى تعرض في طرقها ، ولا سيما والجرح مقدم عند الاكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الاخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الاحاديث

---

(1) 439 من المقدمة . (2) 444 و445 من المقدمة . (3) راجع الكلام عن الموطأ ومسند أحمد فيما مضى من القول . (*)

--- [ 389 ]

Page 388