384

الكذب ومنها " توهم الصدق " وهو كثير وإنما يجئ في الاكثر من جهة الثقة بالناقلين ومنها " الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع " لاجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع ، فينقلها المخبر كما رآها وهى بالتصنع على غير الحق في نفسه ، ومنها تقرب الناس في الاكثر لاصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح ، وتحسين الاحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الاخبار بها على غير حقيقة ، فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة ، وليسوا في الاكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها ، ومن الاسباب المقتضية له أيضا - وهى سابقة على جميع ما تقدم - الجهل بطبائع الاحوال في العمران ، فإن كل حادث من الحوادث - ذاتا كان أو فعلا لا بد من طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يعرض له من أحواله - فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والاحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض - وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الاخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم (1) . تمحيص الاخبار بمعرفة طبائع العمران سابق على التمحيص بتعديل الرواة : وقال : وأحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الاخبار إنما هو بمعرفة طبائع العمران وتمييز صدقها من كذبها . وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ، ولا يرجع إلى تعديل الرواة ، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ، ممكن أو ممتنع ، وأما إذا كان مستحيلا فلا فائدة ، للنظر في التعديل والتجريح - ولقد عد أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل ، وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الاخبار الشرعية ، لان معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها ، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط اه (2) .

---

(1) ص 35 و36 . (2) ص 37 من المقدمة . (*)

--- [ 388 ]

Page 387