383

خاتمة رأينا - بعد أن فرغنا من القول في أمر الحديث المحمدى وحياته وتاريخه ، أن نختم كتابنا بفصول تشتمل على مباحث تتصل بالحديث وفقهه ، وكيف يسلك الطالب إلى معرفة الصحيح منه ، وعلى قواعد وأصول في الدين الاسلامي لا يستغنى عنها القارئ ، وهذه الفصول - ولا ريب - لازمة للكتاب ومتممة له ، وسنمهد لها بكلام ممتع لفيلسوف المؤرخين ابن خلدون في فلسفة التاريخ والاجتماع . قال في مقدمته الشهيرة : إن الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ، ولم تحكم أصول العادة ، وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق ، وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط (1) . ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته ، وله أسباب تقتضيه ، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب ، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر ، أعطته حقه من التمحيص والنظر ، حتى تتبين صدقه من كذبه ، وإذا خامرها تشيع لرأى أو نحلة ، قبلت ما يوافقها من الاخبار لاول وهلة ، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص ، فتقع في قبول الكذب ونقله . ومن الاسباب المقتضية للكذب في الاخبار أيضا الثقة بالناقلين ، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح ، ومنها " الذهول عن المقاصد " فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع ، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في

---

(1) ص 9 . (*)

--- [ 387 ]

Page 386