Sarh Tawhid al-Saduq
شرح توحيد الصدوق
ذلك، ولو لم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت مشيتهما مشية الله.
ثم انه عليه السلام أراد التوضيح والتبيين: فمثل للصورة الأولى- أي النهي مع مشية الخلاف- بحكاية أبينا آدم عليه السلام لأن الله جل مجده نهاه وزوجته عن أكل الشجرة وهو عز شأنه شاء بالإرادة العزمية أنهما إن أرادا أكلها أن يأكلا، فبعد إرادتهما ثم الاقتطاف والإيصال الى الفم وتحريك العضلات وجب الفعل وحتمت الإرادة، فهو سبحانه شاء أكلهما ولو لم يشأ أكلهما بالإرادة العزمية، لم يأكلا ولم يتحقق الإرادة الحتمية، إذ لو أكلا مع مشيته سبحانه عدم أكلهما كما هو ظاهر النهي، لغلبت مشيتهما مشية الله.
وأمر ابراهيم بذبح ابنه عليهما السلام، وشاء أن لا يذبحه، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشية ابراهيم مشية الله عز وجل.
مثل للثانية- وهي الأمر بشيء مع مشية عدمه- بحكاية إبراهيم عليه السلام حيث أمره الله تعالى بذبح ابنه لكن شاء عدم ذبحه، إذ لو لم يشأ عدم ذبحه لكان يشاء ذبحه على ما هو مقتضى الأمر، والا لزم العبث. ولما لم يقع الذبح كما هو مشية إبراهيم عليه السلام بحسب محبة الولد بحكم الطبع والجبلة، فلو ان الله شاء ذبحه، لزم من ذلك غلبة مشية إبراهيم عليه السلام مشية الله تعالى.
وبالجملة، المقرر في شرع الإيمان وملة البرهان، انه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء الا بمشية وإرادة من الله تعالى: إما «عزم» كما في الحوادث الكونية والأمور الجزئية وإما «حتم» كما في المصالح الضرورية والحكم الواجبة.
أما انه لا يكون شيء الا بمشيته سبحانه بقسميها فلأن تلك الأمور انما يستند أولا الى النفس الكلية أو النفوس المسخرة وهما مظهر المشية الحتمية والعزمية؛ وأما انه لا يكون شيء الا بإرادته تعالى بقسميها فلأن كل ما في الكون فانما يكون ثانيا من
Bogga 340