Sharh Nahj Balagha
شرح نهج البلاغة
Tifaftire
محمد عبد الكريم النمري
Daabacaha
دار الكتب العلمية
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
وأما الآية التي مثل بها على التعريض ، فإنه قال : إن قوله تعالى : ' ما نراك إلا بشرا مثلنا ' تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه ، ولم يبين ذلك ، وإنما قال : فحوى الكلام أنهم قالوا له : هب أنك واحد من الملأ وموازيهم في المنزلة ، فما جعلك أحق بالنبوة منهم ، ألا ترى إلى قوله : ' وما نرى لكم علينا من فضل ' وهذا الكلام لا يقتفي ما ادعاه أولا من التعريض ، لأنه ادعى أن قوله : ' ما نراك إلا بشرا مثلنا ' و تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه ، وما قرره به يقتضي مساواته لهم ، ولا يقتضي كونهم أحق بالنبوة منه ، فبطل دعوى الأحقية ، التي زعم أن التعريض إنما كان بها .
فأما قوله تعالى : ' أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ' ، وقوله : إن هذا من باب الكناية وأنه تعالى كنى به عن العلم والضلال وقلوب البشر ، فبعيد ، والحكيم سبحانه لا يجوزأن يخاطب قوما بلغتهم ، فيعمي عليهم ، وأن يصطلح هو نفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها ، وإنما يعلمها هو وحده ، ألا ترى أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى : ' ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ' على أنه أراد أنا زينا رؤوس البشر بالحواس الباطنة والظاهرة المجعولة فيها ، وجعلناها بالقوى الفكرية والخيالية المركبة في الدماغ راجمة وطاردة للشبه المضلة ، وإن من حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك فقد نسبه إلى الإلغاز والتعمية ، وذلك يقدح في حكمته تعالى . والمراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرها ، والمتكلف لحملها على غيرها سخيف العقل ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : ' ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبذ مثله ' ، أفترى الحكيم سبحانه يقول : إن للذهب والفضة زبدا مثل الجهل والضلال ، ويبين ذلك قوله : ' كذلك يضرب الله الأمثال ' ، فضرب سبحانه الماء الذي يبقى في الأرض فينتفع به الناس ، والزبد الذي يعلو فوق الماء فيذهب جفاء مثلا للحق والباطل ، كما صرح به سبحانه فقال : ' كذلك يضرب الله الحق والباطل ' ، ولو كانت هذه الآية من باب الكنايات - وقد كنى سبحانه بالأودية عن القلوب ، وبالماء الذي أنزله من السماء عن العلم ، وبالزبد عن الضلال - لما جعل تعالى هذه الألفاظ أمثالا ، فإن الكناية خارجة عن باب المثل ، ولهذا لا تقول إن قوله تعالى : ' أو لامستم النساء ' من باب المثل ، ولهذا أفرد هذا الرجل في كتابه بابا آخر غير باب الكناية ، سماه باب المثل ، وجعلهما قسمين متغايرين في علم البيان ، والأمر في هذا الموضع واضح ، ولكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات ، ويذهب وقته فيها ، وقد استقصينا في مناقضته والرد عليه في كتابنا الذي أشرنا إليه .
Bogga 40