Sharh Nahj Balagha
شرح نهج البلاغة
Tifaftire
محمد عبد الكريم النمري
Daabacaha
دار الكتب العلمية
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فقال له : انتخب الناس ؛ فأخرج ستمائة من قومه من كندة ، وأخرج من سائر الناس ستة آلاف ، واستحثه الحجاج على الشخوص ؛ فخرج بعسكره بدير عبد الرحمن ، فلما استتموا هناك كتب إليهم الحجاج كتابا قرئ عليهم : أما بعد ، فقد اعتدتم عادة الأذلاء ، ووليتم الدبر يوم الزحف ، دأب الكافرين وقد صفحت عنكم مرة بعد مرة ، وتارة بعد أرخى ؛ وإني أقسم بالله قسما صادقا لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم لإيقاعا يكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تنهزمون منه في بطون الأودية والشعاب ، وتستترون منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال ، فليخف من كان له معقول على نفسه ، ولا يجعل عليها سبيلا ، فقد أعذر من أنذر . والسلام . وارتحل عبد الرحمن بالناس حتى مر بالمدائن ، فنزل بها يوما ليشتري أصحابه منها حوائجهم ، ثم نادى في الناس بالرحيل ؛ وأقبل حتى دخل على عثمان بن قطن مودعا ؛ ثم أتى الجزل عائدا ، فسأله عن جراحاته ، وحادثه ، فقال الجزل : يابن عم ، إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب وأحلاس الخيل ، والله لكأنما خلقوا من ضلوعها ؛ ثم ربوا على ظهورها ؛ ثم هم أسد الأجم ، الفارس منهم أشد من مائة ، إن لم يبدأ به بدأ هو ، وإن هجهج أقدم ، وإني قد قاتلتهم وبلوتهم ، فإذا أصحرت لهم انتصفوا مني ، وكان لهم الفضل علي ، وإذا خندقت أو قاتلت في مضيق نلت منهم ما أحب ؛ وكانت لي عليهم ، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا وأنت في تعبية أو خندق ، ثم ودعه ، وقال له : هذه فرسي الفسيفساء خذها فإنها لا تجارى ، فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب ، فلما دنا منه ارتفع شبيب عنه إلى دقوقاء وشهرزور ، فخرج عبد الرحمن في طلبه ؛ حتى إذا كان على تخوم تلك الأرض أقام ، وقال : إنما هو في أرض الموصل ؛ فليقاتل أمير الموصل وأهلها عن بلادهم أو فليدعوا .
وبلغ ذلك الحجاج ، فكتب إليه : أما بعد ، فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه عن الأرض ، فإنما السلطان أمير المؤمنين ، والجند جنده . والسلام .
فلما قرأ عبد الرحمن كتاب الحجاج خرج في طلب شبيب ، فكان شبيب يدعه ، حتى إذا دنا منه ليبيته فيجده قد خندق وحذر ، فيمضي ويتركه ، فيتبعه عبد الرحمن فإذا بلغ شبيبا أنه قد تحمل وسار يطلبه كر في الخيل نحوه ، فإذا انتهى إليه وجده قد صف خيله ورجالته المرامية ، فلا يصيب له غرة ولا غفلة ، فيمضي ويدعه .
ولما رأى شبيب أنه لا يصيب غرته ، ولا يصل إليه ، حتى صار يخرج كلما دنا منه عبد الرحمنن حتى ينزل على مسيرة عشرين فرسخا ، ثم يقيم في أرض غليظة وعرة ، فيجيء عبد الرحمن في ثقله وخيله ، حتى إذا دنا من شبيب ارتحل ، فسار عشرين أو خمسة عشر فرسخا ، فنزل غليظا خشنا ، ثم يقيم حتى يبلغ عبد الرحمن ذلك المنزل ، ثم يرتحل ، فعذب العسكر ، وشق عليهم ، وأحفى دوابهم ، ولقوا منه كل بلاء .
Bogga 143