قال: فإني أخاف أن لا أمكن من ذلك؛ فقالوا له: إن أئمة العدل لا تسعهم التقية، وقد قتل المسلمون، وصلبوا، وقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وهم يلعنون علي المنابر علانية؛ فأظهر عذر المسلمين، والبراءة من الظالمين، فإنه لا يسعك إلا ذلك.
فقبل ابنه عبد الملك بن عمر عبد العزيز، وقال: يا أبت. نقيم العدل؛ ولو غليت لحومنا في المراجل بالعشى، وقال عمر بن عبد العزيز: إن فعلت ذلك عوجلت، ولكن علي لكم أن نميت كل يوم بدعة، ونحيي كل يوم سنة، فلم يقبلوا منه، وقالوا: نخرج عنك علي ألا نتولاك.
فقيل: لما أخبر أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بما كان منه، ومنهم، قال: ليت القوم قبلوا منه، وقيل إن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز توفي قبل أن يخرجوا من عند عمر بن عبد العزيز، فبعث إليهم عمر، وقال: جهزوا صاحبكم.
قال: قد خلنا لتغسله، وجاء عمر فدخل موضعا له كرسي، فجلس عليه، فلما أخذوا في غسله، ونزعوا عنه ثيابه - غشي على عمر، ووقع فرفعوه.
وقال له بعض من حضر منه: يا أمير المؤمنين، هذا ليس لك بمجلس؛ فلو خرجت إلى الناس، فعزوك وحدثوك كان أرفق بك، فخرج وغسلوه، وكفنوه، وصلي عليه أبو حمزة (رحمهما الله).
وقيل: إنه لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس، وذهب يتبوأ مقيلا؛ فأتاه ابنه عبد الملك، فقال له: ما تريد أن تصنع؟ قال له: يا بني. أقبل، قال له: تقيل ولا ترد المظالم؟ فقال له: يا بني إني قد سهرت البارحة في أمر سليمان؛ فإذا صليت الظهر رددت المظالم فقال له: يا أمير المؤمنين، ومن لك أن تعيش الظهر؟ فقال له: ادن مني يا بني، فدنا منه، فالتزمه، فقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على أمر ديني.