Minhaj al-Talibin wa-Bulugh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
وذلك: أن الله - عز وجل - نهي إبليس وجنوده عن الكفر، والدعاء إليه، والأمر به من غير جبر منه لهم بذلك، ولم يرسلهم على الناس تسليطا عليهم بالكفر والفساد؛ لأن الله لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، فلو سلطه وجنوده جبرا على العباد، [لكان] أمرا لهم بذلك ما لم يأمر العباد بالحذر من الشيطان، والله يقول: " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ".
وأما ظفر إبليس بالعباد من الشرق إلى المغرب، قد ذكر الله أن له قبيلا، وهم أعوانه وقرناؤه. وقيل إنه يدخل على الجن والشياطين، كما يدخل على الإنس.
وقيل: إن في الإنسان خاطرا للإلهام، وخاطرا للوسواس؛ فخاطر الإلهام ما يدل على مكارم الأخلاق، والإصابة في الأمور، وخاطر الوسواس ما يوقع في الأباطيل، ويصرف عن الحق، ويلقي في الخطايا والرزايا، والأخلاق الرديئة.
فالوسوسة إذا دخلت في القلب فهي كالدخان في البيت، فمادام الدخان في البيت فالبيت مظلم؛ فإذا خرجت منه الوسوسة ثبت الإلهام واستنار الحق فيه وحذر من الباطل.
لأن الوسوسة من الشيطان والإلهام من الملك الملهم، قاعد عن يمين القلب، وإبليس نحو يساره، ومسكنها الصدر. والله أعلم.
وقيل: الخواطر أربعة: خاطر من الله يدعو العبد إلى الانتباه لفعل الخير، وخاطر من الملك الملهم يدعو إلى حب الطاعة، والمسارعة إليها، وخاطر من النفس؛ يدعو إلى التزين والراحة، والتنعم في الدنيا، وخاطر من الشيطان؛ يدعو إلى الحقد، والكبر، والحسد، والعداوة.
وقيل: من أجاب ناطقا فقد عبده؛ فإن كان الناطق عن الله؛ فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس؛ فقد عبد إبليس.
وعبادة إبليس ليست عبادة سجود وركوع؛ كعبادة الله، ولكن عبادته. طاعته فيما دعا إليه من قول الكذب، والزنا، والسرقة، وشرب المحرمات، وأكل أموال الناس بالباطل، وجميع الظلم والبدع، وما كان من جميع معاصي الله - تعالي - من جميع الأعمال والأقوال.
Bogga 472