- وإما أن تكون "ما" بمعنى الذي فتكون "ما" مفعوله، "وذا" مبتدأ، "وعلمت" صِلة، ويبقى المبتدأ بلا خبر.
فإن قلت: أُضْمِرُ "هوَ" فكأني قلت: دعي الذي هو علمت، فهذا قبيح، والذي قال سيويه والذي لا يجوز في هذا الموضع أن تحذف هو منفصلة (١).
الثالث: الذي يجوز وهو أن تكون "ما" مع "ذا" بمنزلة اسم واحد (٢).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ماذا علمت" فإن "ذا" ها هنا إما موصولة، أو نكرة موصوفة؛ أي: دعي الذي علمتيه (٣) أو شيئًا علمتَ فافهم؛ فإنَّهُ موضع يحتاج إلي التَّرَوِّي.
(١) قال سيبويه: "ولو كان ذا بمنزلة الذي في ذا الموضع البتة، لكان الوجه في: ماذا رأيت، إذا أجاب أن يقول: خيرٌ.
وقال الشاعر، وسمعنا بعض العرب يقول:
دعي ماذا عملتِ سأَتّقيهِ ... ولكنْ بالغيّب نبّئيني
فالذي لا يجوز في هذا الموضع، وما لا يحسن أن تُلغيها". الكتاب (٢/ ٤١٨).
(٢) قال سيبويه: "باب إجرائهم ذا وحده بمنزلة الذي وليس يكون كالذي إلا مع (ما) و(مَن) في الاستفهام، فيكون (ذا) بمنزلة (الذي)، ويكون (ما) حرف الاستفهام، وإجرائهم إياه مع (ما) بمنزلة اسم واحد، أما إجراؤهم ذا بمنزلة الذي فهو قولك: ماذا رأيت؟ فيقول: متاعٌ حسنٌ. وقال الشاعر لبيد بن ربيعة:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنَحْبّ فيُقضى أم ضَلال وباطلُ
وأما إجراؤهم إياه مع (ما) بمنزلة اسم واحد فهو قولك: ماذا رأيت؟ فتقول: خيرًا؛ كأنك قلت: ما رأيت؟ ومثل ذلك قولهم: ماذا ترى؟ فنقول: خيرًا. وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠]. فلو كان "ذا" لغوًا قالت العرب: عمّاذا تسأل؟ ولقالوا: عمّ ذا تسأل، كأنهم قالوا: عمّ تسأل، ولكنهم جعلوا (ما) و(ذا) اسمًا واحدًا، كما جعلوا "ما" "وإن" حرفًا واحدًا حين قالوا: إنما ... ولو كان (ذا) بمنزلة الذي في ذا الموضع البتة، لكان الوجه في: ماذا رأيت، إذا أجاب أن يقول: خيرًا". الكتاب (٢/ ٤١٦ - ٤١٨).
(٣) يراجع: الكتاب (٢/ ٤١٦ - ٤١٨)، والهمع (١/ ٨٤)، والخزانة (٦/ ٤٢)، والمغني (٣٠١) وفيه يقول ابن هشام: الرابع: أن يكون "ماذا" كله اسم جنس بمعنى شيء، أو موصولًا بمعنى الَّذِي، على خلاف في تخريج قول الشاعر: " ... البيت" فالجمهُور على أن "ماذا" كله مفعول دعي، ثم اختلف، فقال السيرافي وابن خروف: (ما) موصول بمعنى الَّذِي، وقال الفارسي: نكرة بمعنى شيء، قال: لأن التركيب ثبت في الأجناس دون الْمَوْصُولات. وقال ابن عصفور: لا تكون (ماذا) مفعول لدعي؛ لأن الاستفهام له الصدر، ولا لعلمت؛ لأنه لم يرد أن يستفهم عن معلومها ما هُوَ؟، ولا لمحذوف يفسره: سأتقيه؛ لأن علمت حينئذ لا محل لها بل "ما" اسم استفهام مُبْتَدَأ "وذا" موصول خَبَر "وعلمت" صلة، وعلق "دعي" عن العمل بالاستفهام. انتهي.
ونقول: إذا قدرت "ماذا" بمعنى الَّذِي أو بمعنى شيء لم يمتنع كونها مفعول دعي، وقوله: "لم يرد أن يستفهم عن معلومها" لازم له إذا جعل ماذا مُبْتَدَأ وخبرًا، ودعواه تحليق دعي مردودة بأنها ليست من أفعال القلوب .. ".