Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Daabacaha
دار الفكر العربي
٥٢٤- والفصل السادس من الكتاب كلامه في دعواهم أن المسيح عليه السلام جاء بعد موسى عليه السلام بغاية الكمال، فلا حاجة بعد النهاية إلى شرع مزيد على الغاية، بل يكون ما بعد ذلك شرعاً غير مقبول، ويقولون في ذلك ((إن الشريعة شريعة عدل وفضل، وإن شريعة العدل جاء بها موسى عليه السلام، وفي التوراة تنظيم أحكامها، فلما استقرت، واطمأن الناس إلى أحكامها جاءتهم شريعة الفضل وشريعة الكمال، فجاء عيسى بهذا الكمال والفضل رحمة بالعالمين، فقد تم الأمر بالعدل المنظم. والفضل المكمل)).
ويرد ابن تيمية رضي الله عنه في هذا الباب رداً محكماً، فيسير على مقتضى منطقهم، فيقول إن شرائع ثلاثة لا اثنتان: شريعة عدل، وشريعة فضل، وشريعة جمعت بين العدل والفضل، أي بين التنظيم الاجتماعي في كل صوره، وفروعه الجزئية التي تختلف باختلاف العصور، والكمال الإنساني، والنزوع الروحي، فالشريعة التي جمعت هذين العنصرين هي أكمل الشرائع؛ وهي شريعة الإسلام، ويبين رضي الله عنه كيف جمع الإسلام بين العدل والتسامح في أسلوب محكم دقيق عميق. يصح أن يكون كتاباً قائماً بذاته في بيان معنى الإسلام في الجمع بين عناصر الكمال، وطرائق التهذيب والتثقيف، وإقامة العدل والقسطاس المستقيم؛ ويوازن بين ما جاء في الإسلام، وما جاء في التوراة موازنة دقيقة محكمة، ويوازن بين ما جاء في الإنجيل من الكمال الإنساني وبين ما جاء في القرآن.
ولا يكتفي بذكر هذه الحقائق، بل يتجاوز ذلك إلى إثبات البشارات بالشرع المحمدي؛ والإشارة إلى الشرع الكامل؛ والطريق الأمثل، وأن الشرائع التي سبقته تمهيد، وهو النهاية، وطريق وهو الغاية، وجزئي وهو الكلي.
ويعقب ذلك بالكلام في شخص الرسول عليه الصلاة والسلام، وشريعته، ومعجزتها. وأدلتها، ويتناول ذلك في الجزء الرابع من الكتاب، وهو مسك الختام. وإن هذا الكتاب أهدأ ما كتبه ابن تيمية في الجدال، وهو وحده جدير بأن يكتب ابن تيمية في سجل العلماء العاملين، والأئمة المجاهدين، والمفكرين الخالدين.
519