518

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

ارتضوا، وفي رد هذا الفصل يبين ابن تيمية حقيقة المسيحية التي زكاها القرآن، وما اعتراها من تغيير وتبديل، ويثبت أن كل ما عندهم من شعائر دينية ليس هو الذي جاء به المسيح عليه السلام، فالقرآن أثنى على الشريعة التي جاء بها المسيح؛ وليست هي التي كان يدعيها المسيحيون في عصره، فإذا ذكر القرآن الإنجيل في مقام الثناء، فليس هو الإنجيل الذي يقرءون؛ وإن ذكر الشريعة التي أتى بها الإنجيل في احترام، فليست هي الشريعة التي يعتنقون، ثم يكر عليهم في تغييرهم وتبديلهم، وبيان السبب في انحرافهم، وتحريفهم الكلم عن مواضعه؛ وهو في كل ذلك يفسر آيات القرآن التي يسوقونها لأنفسهم محتجين بها، مبيناً الحق فيها، وبطلان حجتهم فهو تارة يلبس درع المدافع، وأحياناً يحمل سيف المهاجم؛ وهو في الموقفين يصول ويجول.

٥٢١- والفصل الثالث دعواهم أن نبوات الأنبياء المتقدمين، وكتبهم كالتوراة والزبور، تشهد لدينهم الذي هم عليه من الأقانيم والتثليث، والاتحاد (١)، وغير ذلك بأنه حق وصواب؛ فيجب التمسك به، ولا يجوز العدول عنه؛ إذ لم يعارضه شرع يرفعه، ولا عقل يدفعه، وهنا نجد ابن تيمية يتقصى نقولهم التي نقلوها نصاً نصاً، وكيف حاولوا أن يحملوها معنى التثليث، ومعنى الحلول الإلهي في الجسم الإنساني؛ ولا يترك نصاً ذكروه إلا ساقه، ووازن فيه المعنيين، المعنى الذي ساقوه، وحملوا الألفاظ من المعاني ما هي بعيدة عنه، والمعاني الحقيقية التي تدل على الألفاظ وتنكشف عنها من غير تعمل ولا تكلف، وبعض العبارات يثبت أنها غير صحيحة السند، وأنها لا تعول على نقلها؛ ثم لا يكتفي بذلك النقض لمقدمات الاستدلال التي يسوقونها ليثبتوا التثليث، والحلول، بل يكر على النتيجة، ويثبت منافاتها للمعقول، ويهاجمها هجوماً هادئاً عقلياً؛ مستعيناً في ذلك ببعض نصوص قرآنية؛ مثل قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون)).

(١) هذا تعبير ابن تيمية ويقصد به الحلول، أي حلول اللاهوت في الناسوت.

517